الصفحة 123 من 175

وراء ذلك إحدى مصايد اليهود العالمية ، التي يهمها تمييع الحواجز كلها - بما في ذلك ، بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور - لكي ينفذ اليهود إلى جسم العالم كله ، وهو مسترخ مخدر ، يزاول اليهود فيه نشاطهم الشيطاني ، وفي أوله نشاطهم الربوي ، الذي ينتهي إلى جعل حصيلة كد البشرية كلها ، تؤول إلى أصحاب المؤسسات المالية الربوية من اليهود !

ولكن الإسلام يعتبر أن هناك - فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية - نوعين اثنين من الثقافة: الثقافة الإسلامية القائمة على قواعد التصور الإسلامي ، والثقافة الجاهلية القائمة على مناهج شتى ترجع كلها إلى قاعدة واحدة .. قاعدة إقامة الفكر البشري إلهًا لا يرجع إلى الله في ميزانه . والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري والواقعي الإنساني ، وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائمًا

ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي ، الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوروبية الحاضرة ، لم ينشأ ابتداء في أوروبا ، وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق ، مستمدًا أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته ، إلى الكون وطبيعته الواقعية ، ومدخراته وأقواته .. ثُم استقلت النهضة العلمية في أوروبا بهذا المنهج ، واستمرت تنميه وترقيه ، بينما رُكِدَ وترك نهائيًا في العالم الإسلامي بسبب بُعْد هذا العالم تدريجيًا عن الإسلام ، بفعل عوامل بعضها كامن في تركيب المجتمع وبعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني ... ثم قطعت أوروبا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الإسلامية ، وشردت به نهائيًا بعيدًا عن الله ، في أثناء شرودها عن الكنيسة ، التي كانت تستطيل على الناس - بغيًا وعدوًا - باسم الله ! [1]

وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوروبي بجملته - شأنه شأن إنتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان في جميع البقاع - شيئًا آخر، ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي . ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلًا للتصور الإسلامي .. ووجب على المسلم

(1) - راجع فصل:"الفصام النكد"في كتاب: المستقبل لهذا الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت