كذلك يتحدد من قول الله سبحانه: { قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى } ... المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه في هذه الشؤون ، فليس وراء هدى الله إلا الضلال ، وليس في غيره هدى ، كما تفيد صيغة القصر الواردة في النص:"قُل: إن هدى الله هو الهدى"... ولا سبيل إلى الشك في مدلول هذا النص ، ولا إلى تأويله كذلك !
كذلك يرد الأمر القاطع بالإعراض عمن يتولى عن ذكر الله ، ويقصر اهتمامه على شؤون الحياة الدنيا ، وينص على أن مثل هذا لا يعلم إلا ظنًا ، والمسلم منهي عن اتباع الظن ، وأنه لا يعلم إلا ظاهرًا من الحياة الدنيا ، فهو لا يعلم علمًا صحيحًا .
{ فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى } . [ النجم: 29 - 30 ]
{ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ } .. [ الروم: 7 ]
والذي يغفل عن ذكر الله ، ولا يريد إلا الحياة الدنيا - وهو شأن جميع"العلماء !"اليوم - لا يعلم إلا هذا الظاهر ، وليس هذا هو"العلم"الذي يثق المسلم في صاحبه فيتلقى عنه في كل شأنه ، إنما يجوز أن يتلقى عنه في حدود علمه المادي البحت ، ولا يتلقى منه تفسيرًا ولا تأويلًا عامًا للحياة ، أو النفس ، أو متعلقاتها التصورية .. كما أنه ليس هو العلم الذي تشير إليه الآيات القرآنية وتثني عليه ، كقوله تعالى:"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ؟"كما يفهم الذين ينتزعون النصوص القرآنية من سياقها ليشهدوا بها في غير مواضعها ؟ فهذا السؤال التقريري وارد في آية هذا نصها الكامل: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ } .. [ الزمر: 9 ]
فهذا القانت آناء الليل ، ساجدًا وقائمًا ، يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه .. هو هذا الذي يعلم .. وهذا هو العلم .. الذي تشير إليه الآية ، العلم الذي يهدي إلى الله وتقواه .. لا العلم الذي يفسد الفطر فتلحد في الله !
إن العلم ليس مقصورًا على علم العقيدة والفرائض الدينية والشرائع .. فالعلم يشتمل على كل شيء ، ويتعلق بالقوانين الطبيعية .. وتسخيرها في خلافة الأرض تعلقه بالعقيدة