الصفحة 34 من 175

والمسلمون في مكة لم يكن لهم سلطان على أنفسهم ولا على مجتمعهم . وما كانت لهم حياة واقعية مستقلة هم الذين ينظمونها بشريعة الله .. ومن ثم لم ينزِّل الله لهم في هذه الفترة تنظيمات وشرائع ، وإنما نزَّل لهم عقيدة ، وخلقًا منبثقًا من هذه العقيدة بعد استقرارها في الأعماق البعيدة .. فلما أن صارت لهم دولة في المدينة ذات سلطان ، تنزلت عليهم الشرائع ، وتقرر لهم النظام الذي يواجه حاجات المجتمع المسلم الواقعية ، والذي تكفل له الدولة بسلطاتها الجدية النفاذ .

ولم يشأ الله أن ينزل عليهم النظام والشرائع في مكة ، ليختزنوها جاهزة حتى تطبق بمجرد قيام الدولة في المدينة ! إن هذه ليست طبيعة هذا الدين ! .. إنه أشد واقعية من هذا وأكثر جدية ! .. إنه لا يفترض المشكلات ليفترض لها حلولًا .. إنما يواجه الواقع حين يكون واقع مجتمع مسلم مستسلم لشريعة الله رافض لشريعة سواه بحجمه وشكله وملابساته وظروفه ، ليشرع له ، وفق حجمه وشكله وملابساته وظروفه .

والذين يريدون من الإسلام اليوم أن يصوغ نظريات وأن يصوغ قوالب نظام ، وأن يصوغ تشريعات للحياة .. بينما ليس على وجه الأرض مجتمع قد قرر فعلًا تحكيم شريعة الله وحدها ، ورفض كل شريعة سواها ، مع تملكه للسلطة التي تفرض هذا وتنفذه .. الذين يريدون من الإسلام هذا ، لا يدركون طبيعة هذا الدين ، ولا كيف يعمل في الحياة .. كما يريد له الله ..

إنهم يريدون منه أن يغير طبيعته ومنهجه وتاريخه ليشابه نظريات بشرية ، ومناهج بشرية ، ويحاولون أن يستعجلوه عن طريقه وخطواته ليلبي رغبات وقتية في نفوسهم ، رغبات إنما تنشئها الهزيمة الداخلية في أرواحهم تجاه أنظمة بشرية صغيرة .. يريدون منه أن يصوغ نفسه في قالب نظريات وفروض ، تواجه مستقبلًا غير موجود .. والله يريد لهذا الدين أن يكون كما أراده .. عقيدة تملأ القلب ، وتفرض سلطانها على الضمير ، عقيدة مقتضاها ألاَّ يخضع الناس إلاَّ لله ، وألاَّ يتلقوا الشرائع إلاَّ منه دون سواه .. وبعد أن يوجد الناس الذين هذه عقيدتهم ، ويصبح لهم السلطان الفعلي في مجتمعهم ، تبدأ التشريعات لمواجهة حاجاتهم الواقعية،وتنظيم حياتهم الواقعية كذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت