الصفحة 36 من 175

إن القلوب يجب أن تخلص أولًا لله ، وتعلن عبوديتها له وحده ، بقبول شرعه وحده ، ورفض كل شرع آخر غيره .. من ناحية المبدأ .. قبل أن تخاطب بأي تفصيل عن ذلك الشرع يرغبها فيه !

إن الرغبة يجب أن تنبثق من إخلاص العبودية لله ، والتحرر من سلطان سواه ، لا من أن النظام المعروض عليها .. في ذاته .. خير مما لديها من الأنظمة في كذا وكذا على وجه التفصيل .

إن نظام الله خير في ذاته ، لأنه من شرع الله .. ولن يكون شرع العبيد يومًا كشرع الله .. ولكن هذه ليست قاعدة الدعوة . إن قاعدة الدعوة أن قبول شرع الله وحده أيًّا كان ، ورفض كل شرع غيره أيًّا كان ، هو ذاته الإسلام ، وليس للإسلام مدلول سواه ، فمن رغب في الإسلام ابتداء فقد فصل في القضية ، ولم يعد بحاجة إلى ترغيبه بجمال النظام وأفضليته .. فهذه إحدى بديهيات الإيمان !

وبعد ، فلا بد أن نقول كيف عالج القرآن المكي قضية العقيدة في خلال الثلاثة عشر عامًا .. إنه لم يعرضها في صورة"نظرية"ولا في صورة"لاهوت"! ولم يعرضها في صورة جدل كلامي كالذي زاوله ما يسمى"علم التوحيد"!

كلا ! لقد كان القرآن الكريم يخاطب فطرة"الإنسان"بما في وجوده هو وبما في الوجود حوله من دلائل وإيحاءات .. كان يستنقذ فطرته من الركام ، ويخلص أجهزة الاستقبال الفطرية مما ران عليها وعطل وظائفها ، ويفتح منافذ الفطرة ، لتتلقى الموحيات المؤثرة وتستجيب لها . هذا بصفة عامة 00 وبصفة خاصة كان القرآن يخوض بهذه العقيدة معركة حية واقعية .. كان يخوض بها معركة مع الركام المعطل للفطرة في نفوس آدمية حاضرة واقعة .. ومن ثم لم يكن شكل"النظرية"هو الشكل الذي يناسب هذا الواقع الخاص . إنما هو شكل المواجهة الحية للعقابيل والسدود والحواجز والمعوِّقات النفسية والواقعية في النفوس الحاضرة الحية .. ولم يكن الجدل الذهني - القائم على المنطق الشكلي - الذي سار عليه في العصور المتأخرة علم التوحيد ، هو الشكل المناسب كذلك .. فلقد كان القرآن يواجه""

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت