من حياتهم ، فيجعلوا شريعة الله هي الحاكمة في كل شأن من شؤون هذه الحياة ، تنسيقًا بين الجانب الإرادي في حياتهم والجانب الفطري ، وتنسيقًا بين وجودهم كله بشطريه هذين وبين الوجود الكوني . [1]
ولكن الجاهلية التي تقوم على حاكمية البشر للبشر ، والشذوذ بهذا عن الوجود الكوني ، والتصادم بين منهج الجانب الإرادي في حياة الإنسان والجانب الفطري .. هذه الجاهلية التي واجهها كل رسول بالدعوة إلى الإسلام لله وحده ، والتي واجهها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدعوته .. هذه الجاهلية لم تكن متمثلة في"نظرية"مجردة . بل ربما أحيانًا لم تكن لها"نظرية"على الإطلاق ! إنما كانت متمثلة دائمًا في تجمع حركي . متمثلة في مجتمع ، خاضع لقيادة هذا المجتمع ، وخاضع لتصوراته وقيمه ومفاهيمه ومشاعره وتقاليده وعاداته . وهو مجتمع عضوي بين أفراده ذلك التفاعل والتكامل والتناسق والولاء والتعاون العضوي ، الذي يجعل هذا المجتمع يتحرك - بإرادة واعية أو غير واعية - للمحافظة على وجوده ، والدفاع عن كيانه والقضاء على عناصر الخطر التي تهدد ذلك الوجود وهذا الكيان في أية صورة من صور التهديد .
ومن أجل أن الجاهلية لا تتمثل في"نظرية"مجردة ، ولكن تتمثل في تجمع حركي على هذا النحو ، فإن محاولة إلغاء هذه الجاهلية ، ورد الناس إلى الله مرة أخرى ، لا يجوز- ولا يجدي شيئًا - أن تتمثل في"نظرية"مجردة . فإنها حينئذ لا تكون مكافئة للجاهلية القائمة فعلًا والمتمثلة في تجمع حركي عضوي ، فضلًا على أن تكون متفوقة عليها كما هو المطلوب في حالة محاولة إلغاء وجود قائم بالفعل لإقامة وجود آخر يخالفه مخالفة أساسية في طبيعته وفي منهجه وفي كلياته وجزئياته . بل لا بد لهذه المحاولة الجديدة أن تتمثل في تجمع عضوي حركي أقوى في قواعده النظرية والتنظيمية ، وفي روابطه وعلاقاته ووشائجه من ذلك المجتمع الجاهلي القائم فعلًا .
(1) - يراجع بتوسع في هذه النقطة كتاب"مبادئ الإسلام"للسيد أبي الأعلى المودي أمير الجماعة الإسلامية في باكستان .