والقاعدة النظرية التي يقوم عليها الإسلام - على مدار التاريخ البشري - هي قاعدة:"شهادة أن لا إله إلا الله"أي إفراد الله - سبحانه - بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان والحاكمية .. إفراده بها اعتقادًا في الضمير ، وعبادة في الشعائر ، وشريعة في واقع الحياة . فشهادة أن لا إله إلا الله ، لا توجد فعلًا ، ولا تعتبر موجودة شرعًا إلا في هذه الصورة المتكاملة التي تعطيها وجودًا جديًا حقيقيًا يقوم عليه اعتبار قائلها مسلمًا أو غير مسلم .
ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية .. أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله ، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها ، ولا في أي جانب من جوانبها ، من عند أنفسهم ، بل لا بد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه .. وحكم الله هذا يجب أن يعرفوه من مصدر واحد يبلغهم إياه ، وهو رسول الله . وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول:"شهادة أن محمدًا رسول الله".
هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها .. وهي تنشئ منهجًا كاملًا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها ، يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية في داخل دار الإسلام وخارجها ، في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى . [1]
ولكن الإسلام - كما قلنا - لم يكن يملك أن يتمثل في"نظرية"مجردة ، يعتنقها من يعتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادة ، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا . فإن وجودهم على هذا النحو - مهما كثر عددهم - لا يمكن أن يؤدي إلى"وجود فعلي"للإسلام ، لأن الأفراد"المسلمين نظريًا"الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرون حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوية .. سيتحركون - طوعًا أو كرهًا ، بوعي أو بغير وعي - لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده ، وسيدافعون عن كيانه ، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه ، لأن الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا .. أي أن الأفراد"المسلمين نظريًا"
(1) - راجع فصل"لا إله إلا الله منهج حياة".