الصفحة 11 من 59

فاذا انتهت الموجة المعارضة إلى غايتها - وهي الشيوعية - فإن البشرية ستعود بعد الموجتين إلى نوع من الاعتدال والتوازن، لا تجده في روحانية المسيحية الخيالية، ولا في مادية الشيوعية الجامدة، ولكن في فكرة وسط عن الحياة: فكرة تحتضن الروحية الصافية الصادقة، وتحتضن الواقعية المادية المعتدلة، وتصوغ منها عقيدة للضمير ونظامًا للحياة، وأحلامًا دائمة للبشرية كلما حققت منها حلمًا ارتقت في الأفق إلى حلم جديد.

والفكرة الوحيدة التي عرفتها البشرية، وتتحقق فيها هذه السمات التي أسلفنا هي فكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان [3] .

ولقد كانت أوربا حرية بأن تستمتع بثمار تلك الفكرة منذ أجيال لو أنها - لأسباب تاريخية - وقفت لها بالمرصاد في إبان مدها الأول، عندما وصل الإسلام إلى حدود البرانس، ولم تكتف بهذا بل ساقها التعصب العنيف إلى طردها طردًا قاسيًا من الأندلس.

ولعل هذا كان لأمر يريده الله، فالبشرية ما كانت قد تهيأت كلها لاستقبال هذا النور والانتفاع به في أول فيض، ولم يكن لها بد من تجارب طويلة، ومن رد فعل عنيف للتزمت الأول والجهالة الأولى، يقذف بها في عالم المادة بعنف، لتبدع في هذا العالم ما شاء الله أن تبدع، وتتهيأ بتجاربها الروحية وبتقدمها العقلي، وبفتوحاتها العلمية، لاستقبال ذلك النور في دورة أخرى من دوراته، وموجة تالية من أمواجه بعد أن تكون قد انتهت في الحقل المادي إلى ذلك الخواء الذي تستشعره في الحضارة المادية، فتعود منه - إلى حين - بالشيوعية لتعاني منها بعد فترة خواء أعظم، وظمأ أعنف، وشوقًا إلى توازن معتدل، بعد الأرجحة العنيفة بين الروحانية الغالية، والمادية الطاغية وبعد طول التعلق في الهواء بين الأرض والسماء!

وعلى أية حال فنحن لا نشك في أن قيادة البشرية صائرة إلى الإسلام، لأنه لو لم يكن موجودًا، لبحثت عنه الانسانية ولابتدعت نظامًا يشبهه، بعد انحسار الموجتين السابقتين، اللتين كانتا على طرفي نقيض، وكانت ثانيتهما رد فعل عنيف للدفعة الأولى العنيفة، وقد انتهت موجة المادية العنيفة إلى غايتها أو أوشكت. وما هي إلا أن تجتاح الشيوعية ما تبقى من رقعة الحضارة الغربية، حتى تصل إلى ذروة مدها العليا وحتى تفتش البشرية بطبعها عن زاد جديد ينقذها من الخواء الروحي الذي لا تطيقه فطرتها إلا إلى أمد محدود.

مما تقدم تبتدىء لنا ضخامة الواجب الذي ينتظر العالم الإسلامي، أنه واجبه للبشرية كلها في أحرج أوقاتها. فهذه البشرية التي أوصدت أبوابها في وجه هذا الدين يوم أن جاءها في موجته الأولى ستصبح في أشد حالات اللهفة لمن ينقذها من الخواء، ويقدم لروحها الزاد، وهي أقدر على إدراك فكرة الإسلام مما كانت يوم أوصدت دونه الأبواب، وواجب العالم الإسلامي إذا ذاك هو إمدادها بذلك الزاد في الصورة التي تتفق مع تجاربها كلها خلال أربعة عشر قرنًا.

إنه واجب ضخم يقتضي التهيؤ له منذ اليوم والاستعداد، ولما كانت النفس الانسانية بفطرتها ميالة لأن ترى الفكرة من خلال الواقع، وتتمثل العقيدة في صورة عمل، وتحكم على المثل والمبادىء بما حققته في عالم الأرض من نظم وأوضاع، فإن البشرية يوم تتطلع إلى فجر جديد ينقذها من ظلام المادية وجفافها، ستبحث عنه في صورة مجتمع إنساني، لا في صورة نظريات مثالية. . وهنا يبرز الواجب الذي تلقيه السماء على عاتقنا، واجب أن نكون نحن أنفسنا تأويلًا حيًا لعقائدنا وأفكارنا، وأن يكون نظامنا الاجتماعي ترجمة عملية لهذه العقائد والأفكار كيما يقع عليها نظر الانسانية الحائرة في اللحظة التي تتلفت فيها إلى نبع جديد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت