الصفحة 12 من 59

هنا كذلك تبدو ضخامة الجريمة الانسانية التي يرتكبها أناس من الشرق والغرب حينما يحاولون صرفنا عن منابعنا الأصلية، لنتمرغ في حمأة المادية اليائسة وهي في أيامها الأخيرة.

إن هؤلاء لا يؤذوننا نحن فقط؛ إنما يحاولون حرمان البشرية ذلك النبع الوحيد الباقي الذي يمكن أن تئوب اليه عندما يبلغ بها الظمأ إلى غايته. وحينما تسير إلى نهاية الدرب المظلم المغلق، فترتد باحثة عن النور في أفق طليق.

وكل حجتهم أن المادية التي أنشأت الحضارة الصناعية. كأننا يوم أن نثوب إلى عقيدة سنحطم المصانع والمعامل، ونهجر المدن والدور، ونرتد إلى الكهوف والمغاور. أو نركب الأفيال والجمال! وهي سذاجة مضحكة لولا أنها تتلبس في الغالب بسوء النية وفساد الضمير!

إن الإسلام بالذات كان ثورة تحريرية، حررت الفكر كما حررت الروح. حررت الفكر من الوهم والخرافة ووجهته إلى تنمية الحياة في الأرض. دون تخوف من الطبيعة التي عقدت بينه وبيها أواصر الصداقة والقربى وصورتها له عونًا مساعدًا لا عدوًا مناوئًا. وحررت الروم من الهبوط والتروي وأطلقته يرتاد الآفاق العليا وجذب الحياة كلها إليها. لذلك نمت الحياة في ظله نموًا سريعًا. ومن هذه الحياة النامية في ظله استمدت أوربا في جهالتها، وأقامت الأساس الذي نهضت عليه حضارتها. . كل ما في الاسلام من ميزة أنه يشد هذه الحياة النامية على الأرض إلى آفاقها العليا في السماء، كي لا تتردى في حضيض المادية المطلقة، فتصاب بالجفاف والخواء الذي انتهت إليه حضارة الرجل الأبيض، وهي في أوجها من الناحية الصناعية والانتاجية!

ولقد فتح الاسلام في موجة المد الأول ما شاء الله أن يفتح من الأقطار والأمصار باسم هذه الثورة التحريرية التي كان يحمل لواءها، لا بقوة السيف الحديدية أو قوة الاقتصاد المادية، وما كانت هذه القوة وحدها لتنساح به في فجاج الأرض بمثل هذه السرعة التي لا تبلغ إلى شيء منها سرعة الاجتياح"الهتلري"في العهد الأخير، مع التفوق الساحق للجيوش الهتلرية"في بدء الحرب سواء في السلاح أو في الرجال أو في الخطط الحربية، وهذا التفوق الذي لم تكن جيوش الإسلام تتمتع بشيء منه؛ فيما عدا بطولة الروح دائمًا، وعبقرية القيادة في بعض الأحيان."

أما التفسير الطبيعي الشامل لقوة انسياح الاسلام؛ فهو كامن في طبيعة هذه العقيدة وفي طبيعة النظام الذي ينبع منها. في تلبية هذه العقيدة للفطرة البشرية تلبية كاملة وفي الثورة التحريرية التي تمثلها، في ذلك الزاد التقدمي الذي تحمله للانسانية وتلبي به رغبتها الدائمة في التطلع إلى تحقيق حلم بعد حلم في واقع الحياة.

ولقد كان رجال وقواد وشعوب ينضمون إلى جبهة الإسلام راضين متطوعين، لما كانوا يلمسونه من العدالة والتوازن في ظل النظام الاسلامي الذي طبق في بلاد مجاورة، ومن التحرر الوجداني والاجتماعي السائد في هذا النظام.

يقول"سير ت. و. أرنولد"في كتابه"الدعوة إلى الإسلام"ص 53 من ترجمة الأستاذ ابراهيم حسن وزميله نقلا عن الأزدي ص 97:

(ولما بلغ الجيش الإسلامي وادي الأردن، وعسكر أبو عبيدة في فحل، كتب الأهالي المسيحيون في هذه البلاد يقولون:"يا معشر المسلمين، أنتم أحب ألينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا، وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا، وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا")

ويقول في ص 54 من تلك الترجمة نقلا عن البلاذري ص 127:"وأغلق أهل حمص أبواب مدينتهم دون جيش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم وعد لهم أحب إليهم من ظلم الإغريق وتعسفهم".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت