الصفحة 13 من 59

ولم يكن العدل والحرية وحدهما هما اللذان يدفعان بالجموع إلى هذا الدين الجديد؛ بل كانت الفكرة الواضحة البسيطة التي يحملها إلى الناس في صورة عقيدة تدفعهم إلى فتح أبوابهم له، ولو لم يعتنقوه لسبب من الأسباب الخاصة، المهم هو الثقة بهذا الدين ونظامه. واليأس من النظم الأخرى التي كانت سائدة في زمانه، وفي ذلك يقول"ج. هـ. دينسون"في كتابه Emotions of the Bagis of Civilisation"العواطف كأساس للحضارة":

"ففي القرن الخامس والسادس كان العالم المتمدين على جرف هاو من الفوضى؛ لأن العقائد التي كانت تعين على إقامة الحضارة كانت قد انهارت، ولم يك ثم ما يعتد به مما يقوم مقامها، وكان يبدو إذ ذاك أن المدينة الكبرى التي تكلف بناؤها جهود أربعة آلاف سنة مشرفة على التفكك والانحلاك وأن البشرية توشك أن ترجع ثانية إلى ما كانت عليه من الهمجية؛ إذ القبائل تتحارب وتتناحر، لا قانون ولا نظام، أما النظم التي خلقتها المسيحية فكانت تعمل على الفرقة والانهيار، بدلا من الاتحاد والنظام، وكانت المدنية كشجرة ضخمة متفرعة امتد ظلها إلى العالم كله، واقفه تترنح، وقد تسرب إليها العطب حتى اللباب. . وبين مظاهر هذا الفساد الشامل ولد الرجل الذي وحد العالم جميعه" [4] .

نحن الآن في موقف قريب الشبه بذلك الموقف الذي وصفه الكاتب في القرنين الخامس والسادس، وإذا كانت المسيحية قد استنفدت أغراضها وصارت إلى ما صارت إليه في ذلك الأوان فهي اليوم أعجز من أن تكون عاملا إيجابيًا في حياة البشرية.

وهي مع ذلك أرقى العقائد الأخرى التي تعرفها البشرية اليوم. وإذن فلا يبقى إلا الإسلام ليعمل من جديد، كما عمل في القرن السادس، يوم أن تلجأ البشرية إليه، هاربة من الخواء الذي تحسه اليوم بقوة في الحضارة الغربية، فتهرب منه إلى الشيوعية، التي ليست سوى الامتداد الطبيعي لهذه الحضارة، وليست إلا"تعبيرة"! لمدى قصير في أرض الحضارة المادية كما أسلفنا،

وإذا كان فساد العقائد وفساد النظم في القرن السادس قد جعل الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فجفاف الحضارة المادية وخواؤها، وعجزها عن إمداد البشرية بأهداف تعيش من أجلها، وأحلام تقود خطاها في مصاعد الحياة. . سيدفع بالناس من جديد إلى الإسلام، متى وجدوه مبلورًا في نظام، ممثلا في مجتمع، مترجمًا في حياة.

وهذا هو واجبنا في هذا الجيل، وفي الجيل الذي يليه، فأقصى مدى أتصوره للمد الشيوعي لن يتجاوز حيلنا هذا الذي نحن فيه وأوائل الجيل القادم، إذا سارت الأمور سيرتها الحالية. ولن يكتمل هذا القرن العشرون الذي نحن فيه حتى تكون الشيوعية قد سيطرت على عالم الحضارة الغربية بما فيه ذلك أمريكا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت