الصفحة 14 من 59

وعندئذ ينتهي صراع الشيوعية والرأسمالية، اللتان هما خطوتان في فكرة واحدة هي الفكرة المادية، لا فكرتان مختلفتان، كما تحاول كلتاهما أن تزعم في معرض الدعاية. . وعندئذ يبدأ الصراع الحقيقي بين الفكرتين الرئيسيتين في العالم: الفكرة الإنسانية - ويمثلها الإسلام - والفكرة المادية - وتمثلها الشيوعية في اخر مراحلها، كما مثلتها الدولة الرومانية ومثلتها أوربا وأمريكا بكافة النظم التي سادت فيها - وفي نهايتها هذا النظام الشيوعي. . . ونحن لا نشك في النتيجة الأخيرة لهذا الصراع. ولا نرتاب لحظة في أن العاقبة للإسلام، بحكم أنه فكرة تسمح للحياة بالنمو الدائم في ظلها، ولا تحدها بهدف واحد محدود"سيادة طبقة"وبحكم أنه نظام يسمح لجميع قوى الإنسانية أن تعمل، ويمنح الزاد المناسب لكل جوعة من جوعاتها: فكرية كانت أو روحية أو مادية، وبحكم أنه نظام عالمي يمكن للبشرية كلها أن تستظل بلوائه، والفكرة الأكبر هي التي تنتصر، والنظام الأشمل هو الذي يبقى، لعل قائلا بعد الذي تقدم أن يقول: إذا كانت المسيحية قد استنفذت أغراضها منذ القرن الخامس، ولم تعد لها وظيفة إيجابية في حياة المجتمع الإنساني، لأن النظم التي قامت على أساسها قد ترن

حت منذ ذلك الحين، باعتراف باحث مسيحي، وباعتراف الواقع الذي يشهد بأن المجتمع قد انعزل عن روح المسيحية في البلاد المسيحية ذاتها، وقامت أسسه على أفكار مادية بحتة، بعضها مستمد من التقاليد الرومانية القديمة وبعضها مستمد من المذاهب الفكرية المادية الحديثة.

إذا كان هذا قد وقع للمسيحية، فلم لا يكون مثله قد وقع للاسلام؟ لم لا يكون الإسلام قد استنفذ أغراضه في خلال أربعة قرون أو خمسة، ولم يعد يملك أن يكون قوة إيجابية في حياة البشرية؛ لأن المجتمعات الإسلامية ذاتها قد تخلت عنه منذ فترة طويلة، واتجهت إلى خليط من الأفكار والمباديء، إن لم تكن مادية منظمة كالمادية الأوربية، فأنها على كل حال ليست هي الإسلام، وليست هي الفكرة الإسلامية على حقيقتها!!

ولقد كان من اليسير عليّ أن أرد بعقيدة المسلم فأقول: إن المسيحية إنما هي نحلة محلية جاءت لتكون قاصرة على بني إسرائيل، باعترافها هي ذاتها على لسان المسيح:"لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" [5] وهي تكملة لليهودية الأولى، وليست رسالة مستقلة باعترافها. وباتخاذها"العهد القديم"المحتوي على شرائع موسى وعلى كافة الأساطير والأقاصيص التي يفهمها هذا العهد، كتابها المقدس، كالعهد الجديد تمامًا وهو الذي يضم الأناجيل والرؤى وقصص القديسين والصالحين من المسيحيين. . بينما الإسلام رسالة إنسانية عامة وهو الرسالة الأخيرة التي لم تحدد نفسها بقوم ولا زمان ولا مكان.

كان من اليسير علي أن أرد على ذلك القول بعقيدة المسلم هذه ولكنني أحببت أن اسلك طريقًا آخر وان اناقش القضية مناقشة موضوعية - سيأتي تفصيلها في ثنايا عرض الأسس التي يقوم عليها هذا البحث - ومن هذه المناقشة يتبين إن كان لذلك القول مبرر، أم أنه مجرد قياس ظاهري لا يقوم على حقائق موضوعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت