الصفحة 15 من 59

وإنني لأكتفي هنا بأن أقول على سبيل الإجمال الذي سنتولى فيما بعد تفصيله: إنه ما من فكرة عرفتها البشرية حتى اليوم في تنظيم العالم كوحدة إنسانية، وفي تنظيم المجتمع كوحدة بشرية، الا وفكرة الإسلام عن الكون والحياة والإنسان أكبر منها وأرحب، وأعظم قابلية للنمو والتجدد، وأكثر قدرة على التوفيق والتنسيق، بين قوى الحياة وطاقات الإنسان، وحاجات البشرية على وجه العموم، وإن النظام الاجتماعي المستمد من هذه الفكرة المنبعث تلقائيًا من مجرد استقرارها في الضمير البشري، هو أعدل النظم وأكثرها توازنًا ومراعاة للفطرة وإطلاقًا للقوى والطاقات الصالحة لتعمل على إنماء الحياة وترقية الحياة.

وحين يثبت هذا القول، فان انحسار الموجة الاسلامية الأولى، لا يكون دليلا على استنفاد أغراض هذه الفكرة وهذا النظام، انما يكون تأويله الصحيح: إن البشرية لم تكن صالحة في ذلك.

لهذا القدر الذي تحقق وقتها من رسالة الإسلام، والذي تحقق ليس بالشيء اليسير، إذا أردنا أن نكون منصفين فنستلهم الحقائق التاريخية وحدها في معزل عن الدعايات المغرضة أو عن المبالغات المفرطة، حين نعلم أن الاسلام كان يعرض على البشرية وينفذ ما يعرض: مبادىء الحرية والعدل والإخاء والمساواة، في عالم تحكمه الامبراطورية الفارسية والامبراطورية الرومانية حكمًا إقطاعيًا إرهابيًا يقسم الناس إلى سادة وينكر على العبيد صفة الإنسانية، ويتشكك فيما إذا كانت المرأة - البيضاء - ذات روح إنساني أم غير ذات روح! مما جعل المسيحيين واليهود والخاضعين لسلطات الامبراطوريتين يهرعون إلى هذه المبادىء الجديدة التي لم تعرف لها البشرية من قبل نظيرًا؛ ثم تغلب هذه المباديء حتى تصبح هي مباديء البشرية كلها ولكن بعد أحد عشر قرنًا. . حينما تعتنقها أوربا في العصر الحديث منذ أيام الثورة الفرنسية. فلا تبلغ بها لا في عالم المبادىء، ولا في عالم النظم ما بلغ بها الإسلام في أيامه الأولى؛ لأن الطبيعة المادية التي ورثتها أوربا عن الدولة الرومانية، ولم تسمح لها يومًا أن تدرك بضميرها حقيقة هذه المبادىء الإسلامية، وإنما تأثرت بها من الظاهر بعد اتصالها ب

العالم الإسلامي في الحروب الصليبية، فكانت كل النهضات وكل الثورات في أوربا.

وقد استطاع الإسلام عن طريق هذا الاتصال أن يؤثر في النهضات الأوربية الأخيرة التي جاءت أثرًا مباشرًا للحروب الصليبية ولقيام دولة الأندلس في اسبانيا باعتراف الأوربيين أنفسهم، استطاع في هذا المجال أن يؤثر ما لم تؤثره المسيحية التي كانت وما زالت الديانة الرسمية للرقعة الأوربية.

ومرد هذا إلى طبيعة الإسلام الإيجابية، وطبيعة المسيحية السلبية، فيما يختص بالتنظيم العملي للمجتمع؛ فالمسيحية لم تكن يومًا قادرة على التأثير الكامل في المجتمع الغربي القائم على التقاليد الرومانية لأنها لم تقدم لهذا صورة عملية واضحة للمجتمع الذي تريده، وإن كانت قد قدمت صورة شاعرية رقيقة للفرد الذي تريده.

أما الإسلام فقد قدم الفكرة وقدم معها ترجمتها العملية في صورة مجتمع، ومع أن صور المجتمعات الإسلامية لم تكن في الأندلس، ولا في أيام الحرب الصليبية هي غير الصور التي يقدمها الإسلام. فإن ما بقي فيها من آثار الفكرة الإسلامية الكبرى ومن آثار الحضارة المادية والعقلية كان كفيلا بأن يبهر الأوربيين في ذلك الحين، وأن يدفع بهم دفعة قوية إلى عصر الأحياء، وأن يثير في رؤسهم فكرة الحرية والإخاء والمساواة مبلورة فيما بعد في الثورة الفرنسية، التي تعد آخر دفعة من دفعات الحضارة الغربية في المجال الإنساني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت