وكانت البشرية وقد انفلتت من قيود العقيدة الدينية قد انطلقت إلى عبادات جديدة فأمريكا مثلًا قد نبذت كل المقدسات التي عرفتها البشرية في تاريخها كله، واتخذت لها آلهة ثلاثة جديدة: الانتاج. والمال. واللذة. وروسيا على الضفة الأخرى كفرت بالله الواحد واتخذت لها آلهة المادة، والاقتصاد، وكارل ماركس.
ولكن شيئًا فشيئًا أخذت البشرية تتبين أن هذه الآلهة وتلك إنما تقود العالم كله إلى حروب طاحنة واستعمار بغيض. وحيوانية تنتكس إلى مدارج البشرية الأولى؛ وان العقد النفسية والأمراض العصبية؛ والقلق الفردي والعائلي والاجتماعي والدولي هي البركات التي تتلقى بها تلك الآلهة الكافرة عبادها المتحمسين!
ولست أدري كيف يعيش الناس في روسيا السوفيتية وراء الستار الحديدي ولو كانوا يعيشون - كما تدعى الأبواق الشيوعية - لما كان لهذا الستار الحديدي ضرورة، ولرحبت الحكومة السوفيتية بمن يطلبون زيارتها لرؤية ما فيها. ولتركت الشعب الروسي يطلع على نظم العالم الأخرى وهي مطمئنة إلى أنه سيؤثر نظامه ويتحمس له، ويلعن النظم الأخرى.
ولكني أدري كيف يعيش الناس في أمريكا. بلد الإنتاج الفخم والثراء الفاحش واللذائذ المباحة. . لقد شهدتهم هنالك والقلق العصبي يأكل حياتهم على الرغم من كل مظاهر الثراء والنعمة ووسائل الراحة. إن متاعهم هياج عصبي ومرح حيواني وإنه يخيل اليك أنهم هاربون دائمًا من أشباح تطاردهم، إنهم الآت تتحرك في جنون وسرعة وهياج لا يقر له قرار. وكثيرًا ما كان يخيل إلي أن الناس هناك في طاحونة دائرة لا تني ليل نهار، صباح مساء، تطحن بهم ويطحنون، لا يهدأون لحظة. ولا يطمئنون إلى أنفسهم ولا إلى الحياة من حولهم - إن كانوا يحسون ما حولهم - ليست هنالك لحظة للتأمل، ولا حتى للشعور بالحياة ذاتها وهي تدور حتى أوقات راحتهم ورياضهم في المنتزهات والغابات وعلى شواطيء الأنهار والبحيرات. . . تراهم فيها فنحس أنهم في"شغل؛"كأي شغل خلال العمل، وكل ما هنالك من فارق أنهم في مكان غير المكان، وفي عمل غير العمل. ولكن لا راحة ولا هدوء ولا تأمل، ولا اطمئنان.
إنهم ينتجون كثيرًا. ما في ذلك شك. إنهم يكسبون كثيرًا ما في هذا شك أيضًا ولكن لمن ينتجون ولمن يكسبون؟ لذات الكسب ولذات الانتاج؛ العنصر الإنساني لا وجود له، تأمل ذلك الكسب وذلك الانتاج الاحساس بدوافعه ونتائجه في يقظة فكر وحساسية قلب، تذوقه بحس الإنسان المتميز عن حس الآلة. . كل ذلك لا تلمحه في سيما وجه ولا في تعبير لسان!
إنها الطاحونة الدائرة ليل نهار: تطحن، وتبعثر ما تطحنه. وتجمعه مرة أخرى لتطحنه من جديد! والناس والأشياء والزمان والمكان. . كلها تدور في تلك الطاحونة الدائرة التي لا تكل ولا تمل، ولا تكف لحظة عن الدوران. .
إنه الدوار!!!
هدوء القلب. اطمئنان النفس. راحة الضمير. لذة الفرح اليقظ بثمرات الجهد والارتياح. المودات الحلوة بين الناس التجاوب الروحي بين الاصدقاء. الاهتمامات الناشئة عن الوشائج الوثيقة في الاسرة تلك المشاعر التي تشعر الفرد أنه ليس وحده. وتمنحه الثقة والطمأنينة والراحة بعد الجهد والكد والعناء العقيدة في قوة أكبر من قوة الأرض، تلك العقيدة التي تشعر الفرد أنه ليس ذرة تائهة في هذا الكون العريض بلا أصل ولا قرار. . كل هذا لا وجود له في قاموس الحياة الأمريكية، ولا في محيط النفس الأمريكية.
إنه الخواء!!!
الخواء على الرغم مما يبدو من زحمة في الحياة وامتلاء.