الصفحة 3 من 59

هنالك مرح كثير، يخيل إلى من لا يعرف أنه سعادة. . . تلك الضحكات التي ترن في الهواء. تلك"المهارشات"التي تتحسس مساقط اللذة في الأجساد. تلك الكؤوس التي لا تفرغ من الخمر، تلك الضجة التي لا تهدأ ولا تسكن. . ولكنه المرح الحيواني لا السعادة، ولا الفرح، إز عربدة السكارى ليست سعادة، كذلك المرح الحيواني ليس فرحًا، إنه انطلاق الطاقة المكبوته تحت ضغط العمل المرهق. إنها قرقعة كقرقعة الآلات لتفريغ البخار. . .

ولكن أين الإنسان؟ في كل هذا الركام؟ أين الإنسان المتميز عن الآلة وعن الحيوان؟ ولست اتصور من وراء الفلسفة المادية في روسيا إلا حياة أحط من تلك الحياة. فحتى ذلك المرح الحيواني الناشيء من الطلاقة والثراء في امريكا لا أتصوره هناك؛ وفي هذا الدرك تستقر البشرية اليوم في الشرق وفي الغرب سواء.

إن البشرية كلها في حاجة الينا: في حاجة إلى عقيدة في الضمير، يستروح في ظلها من هذا الهجير القائظ. ولطمئن في رحابها من ذلك القلق، ويستقر في حضنها إلى قرار.

لقد تعب هذا الضمير البشري من الجري وراء ذلك الإله المتقلب. . العلم. الذي يحطم موازينه في كل لحظة، ويكفر بمخلوقاته وتكفر به مخلوقاته، كلما انتهى إلى رأي جديد.

إن العقل قد يملك أن يتابع خطوات ذلك الأله المتقلب، أما الضمير ففي حاجة إلى ثبات واطمئنان وقرار.

ولقد تعبت البشرية من الارتكاس في حمأة اللذائذ، ومن عبادة المادة واللذة والانتاج إن الانتاج يجب أن يكون خادمًا للبشرية لا أن تصبح البشرية خادمة له. وإن اللذة يجب أن تكون ملكًا لصاحبها لا أن تستعبده وتستذله. .

والعقيدة في الله هي التي تمنح البشر حريتهم في وجه اللذائذ وفي وجه الآلات!

والعقيدة في الله يجب في الوقت ذاته ألا تكون قيدًا للعقل. ولا سجنًا للفطرة، ولا حائلًا دون الانتاج والنمو في الحياة.

ومن ثم يبرز الاسلام وتتميز دعوة الإسلام، وتتجلى حاجة البشرية كلها إلينا في هذا الأوان.

حاجة الضمير الفردي إلى الاسترواح والثقة والاطمئنان.

وحاجة العقل البشري إلى الطلاقة والحرية والنشاط.

وحاجة الاسرة الخاصة إلى الحماية والرعاية والثبات.

وحاجة الاسرة البشرية إلى التعارف والتعاون والسلام.

وحاجة الفرد إلى الاعتراف بوجود وخصائصه وفطرته.

وحاجة المجتمع إلى الحماية والتوازن والاستقرار.

إن شجرة الحضارة البشرية تهتز وتترنح اليوم كما كانت تهتر وتترنح قبيل مولد"الرجل الذي وحد العالم جميعه"فما أشد حاجة البشرية إلى رسالة هذا الرجل لتنقذها مرة أخرى.

إن البشرية كلها في حاجة إلينا: في حاجة إلينا، في حاجة إلى عقيدتنا، وفي حاجة إلى مبادئنا، وفي حاجة إلى شريعتنا، وفي حاجة إلى نظامنا الاجتماعي، الذي يكفل الكفاية لكل فرد، ويكفل الكرامة لكل إنسان. ويكفل سلام الضمير وسلام البيت وسلام المجتمع. كما يكفل السلام الدولي العام.

ومن هذه الحاجة الإنسانية - بعد عقيدتنا في الله - نحن نستمد قوتنا وثباتنا على الدعوة إلى عقيدة الإسلام وشريعته ونظامه الاجتماعي الخاص، وسنثبت - بعون الله - ولو تخطفنا الشر والطغيان من كل مكان.

إن البشرية كلها في حاجة إلينا. . ومن ثم تبدو جسامة الجريمة التي يرتكبها. من يحاولون أن نذوب في أية حركة أو أية منظمة أو أي اتجاه في داخل الوطن الإسلامي أو خارجه على السواء.

إن الذين يريدون لنا أن نذوب في حركة قومية، أو في كتلة دولية أو في اتجاه عالمي - على فرض أن هناك اتجاهًا عالميًا - إنما يرتكبون جريمتهم في حق البشرية كلها، قبل أن يرتكبوها في حق الإسلام أو الوطن الإسلامي. .

إن مهمتنا أن نتميز وأن نحمل الشعلة للضالين في شعاب الأرض وفي متاهات الصحراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت