"وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى" [57] . ."وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللّهَ" [58] . ."فهو العدل المطلق الذي لا يميل ميزانه الحب والبغض، ولا تغير قواعده المودة والشنآن، العدل الذي لا يتأثر بالقرابة بين الأفراد، ولا بالتباغض بين الأقوام، فيتمتع به أفراد الأمة الإسلامية جميعًا لا يفرق بينهم حسب ولا نسب، ولا مال ولا جاه، كما تتمتع به الأقوام الأخرى، ولو كان بينها وبين المسلمين شنآن، وتلك قمة في العدل لا يبلغها أي قانون دولي إلى هذه اللحظة، ولا أي قانون داخلي كذلك، والذيين يمارون في هذا عليهم أن يراجعوا عدالة الأقوياء للضعفاء بين الأمم، وعدالة المتحاربين بعضهم إلى بعض، ثم عليهم أن يراجعوا عدالة البيض للحمر والسود في الولايات المتحدة، وعدالة البيض للملونين في جنوب أفريقية. وفي الإشارة ما يغني فهي أحوال معاصرة يعلمها كل إنسان، والمهم أن عدالة الإسلام لم تكن مجرد نظريات، بل أخذت طريقها في واقع الحياة" [59]
افتقد الخليفة علي بن أبي طالب درعه فوجدها عند رجل نصراني، فأقبل به يقاضيه إلى شريح القاضي وقال: إنها درعي ولم أبع ولم أهب، فسأل شريح النصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين، قال: ما الدرع إلا درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذب! فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين هل من بيِّنة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح، مالي بينة؛ فقضى بالدرع للنصراني، فأخذها ومشى"أمير المؤمنين ينظر. ."إلا أن النصراني لم يخط بخطوات حتى عاد يقول: أما أنا فأشهد أن هذه أحكام أنبياء، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي عليه؛ أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسولن، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق إلى صفين، فخرجت من بعيرك الأورق، فقال علي: أما إذا أسلمت فهي لك.
وسابق ابن عمرو بن العاص والي مصر رجل من أقباط مصر على فرس له فسبقه فعز على ابن الحاكم العربي المسلم أن يسبقه أحد الرعية، فضربه بالسوط. . وهو يقول:"خذها وأنا ابن الأكرمين؟ فلما عرضت القضية على خليفة المسلمين عمر بن الخطاب في مؤتمر الحج العام، أعطى المصري درته، وقال له:"اضرب ابن الأكرمين"ثم قال قولته الخالدة يجبه بها عمرو بن العاص:"متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا". . ولقد شاء الخليفة للمصري ألا يضرب ابن عمر وحده، بل أن يعلو بالدرة عمرًا، فما استطال ابنه إلا بجاهه لولا أن القبطي أباها، واكتفى بالقصاص لنفسه ممن ضربه."
ولقد سبق أن اقتبسنا من كتاب:"الدعوة الى الإسلام"للسير. ت و. أرنولد"وأن أهل حمص غلقوا أبوابهم دون جيش هرقل، وأبلغوا المسلمين أن ولايتهم وعدلهم أحب اليهم من ظلم الإغريقي وتعسفهم".
فلم تكن نماذج العدل الإسلامي محصورة في حوادث فردية، مما قد يقع نظيره بين الحين والحين، ولكنها كانت منهاجًا عامًا، وخطة ثابتة، مع الأفراد والجماعات والشعوب على سواء، مما يثبت للمجتمع الإسلامي سبقه في العدالة الإنسانية المجردة عن كل ملابسة وتحقيقه هذه العدالة بين الجميع في واقعه التاريخي.