فكرة الإسلام عن وحدة البشرية، ونفيه لعصبية الجنس واللون والوطن، واعتقاده في وحدة الدين في الرسالات كافة، واستعداده للتعاون مع شتى الملل والنحل في غير عزلة ولا بغضاء، وحصره لأسباب الخصومة والحرب في الدفاع عن حرية الدعوة وحرية العقيدة وحرية العبادة، وفي دفع الظلم عن المظلومين وإزالة الفساد من الأرض، ونفيه للأسباب الاقتصادية والمذهبية للحروب وضمان العدالة الاجتماعية المطلقة للجميع، كل هذه الخصائص هي التي تهيىء للنظام الإسلامي أن يكون نظامًا عالميًا، وللمجتمع الإسلامي أن يكون مجتمعًا غير عنصري ولا مذهبي، مع قيامه على أساس من عقيدة سماوية، تعنى عناية كبرى بالعنصر الأخلاقي، وتحاول رفع روح البشر وسلوكهم وتدعو إلى الخير والرفعة والكمال. . مما يفرد النظام الاجتماعي الإسلامي بسمة لا نظير لها في سائر أنواع النظم الاجتماعية التي عرفتها البشرية قديمًا وحديثًا.
إن المجتمع الإسلامي مجتمع حر مفتوح، يملك كل فرد وكل جماعة وكل شعب أن يدخل إليه يندمج فيه، من غير استذان ودون قيد ولا شرط - إلا الكف عن اضطهاد الدعوة واضطهاد العقيدة وظلم الناس والفساد في الأرض.
ليس هنالك حاجز من الجنس، ولا اللون، ولا اللغة، ولا الحدود الجغرافية، ولا حتى من عصبية الدين، كل إنسان يملك - بدو استذان كاهن ولا رجل دين - أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ فإذا هو مسلم، له في الوطن الإسلامي كل حقوق المسلمين الذين لهم آباء في الإسلام وأجداد، وكل مسلم على وجه الأرض يملك - بدون استذان حاكم ولا شرطي - أن يدخل الوطن الإسلامي ويخرج منه، ويذهب في أرجائه ويروح، دون جواز سفر، ودون وقفة عند الحدود، وكل إنسان - وإن لم يكن مسلمًا يملك أن يعيش في ربوع الوطن الإسلامي مكفول الحرية في العقيدة والعبادة، مكفول الدم والمال، مكفول الرزق والمعيشة عاملا أو عاجزًا عن العمل - ما دام خاضعًا للقوانين التي تنظم حياة الجماعة، شأنه شأن المسلمين من أهل البلاد وكل دولة غير مسلمة تملك أن تتعاقد وتتعاهد مع الدولة الإسلامية، على الإصلاح في الأرض، أو على السلم والمهادنة فتثق أن عهدها محفوظ غير منقوض ما وفت هي بعهدها، ولم تنقض منه شيئًا.
لنأخذ المجتمع اليهودي، إنه مجتمع مقفل لا يدخله إلا الاسرائيلي، فالدين والقومية شيء واحد، ومن هنا هو مجتمع مغلق في وجوه الآخرين غير قابل لأن يكون مجتمعًا عالميًا في يوم من الأيام.
المجتمع الهندوكي بدوره يكاد يكون مجتمعًا مقفلا كالمجتمع اليهودي، لأن تقسيم البرهمية للطبقات في هذا المجتمع، وعزلها كل طبقة عن الأخرى عزلا كاملا، بحيث لا يمكن اجتياز الفواصل الحديدية بين هذه الطبقات. . . لا يسمح لغير الهنود أن يعتنقوا الديانة الهندوكية، ولا يسمح بفكرة الأخوة العالمية، التي تهيىء لقيام مجتمع عالمي مفتوح للجميع، ومهما شاركت الهند في سياسة العالم في المستقبل، ومهما تكن ضخامة تعدادها ومواردها، فإنها ستبقى في عزلة اجتماعية عن البشرية، لأن المجتمع الهندي حسب مقوماته الحالية مجتمع مغلق، غير قابل للنمو والامتدداد، ولن يكون له دور يؤديه في حياة البشرية إلا إذا تخلى عن الديانة البرهمية، التي تقيم فواصل متحجرة بين الطبقات الإنسانية.
أما المجتمع المسيحي - إذا صح هذا التعبير - فالمسيحية لا تحكمه، والنظم فيه لا تعتمد على العقيدة، إنما تعتمد أساسًا على القوانين الوضعية، حيث تقف العقيدة في عزلة عن المجتمع، تحاول أن تعمل في ضمير الفرد وحده، وبديهي أن قوة النظام الاجتماعي لا تمهل الفرد ليستمع إلى صوت الضمير ما لم يكن هذا النظام ذاته قائمًا على العقيدة التي تعمر الضمير. .