وهذا الانعزال بين العقيدة والنظام في العالم الذي يسمى العالم المسيحي، يحرم الفرد ذلك التناسق الذاتي بين ضميره والنظام الذي يعيش في ظله، كما يحرم المجتمع تلك الإيحاءات السامية المنبعثة من روح الدين. . وعلى أية حال فهذا موقف اضطراري في العالم المسيحي، لأن المسيحية لم تتضمن شريعة تنظيم المجتمع عن طريق القانون، ومن هنا ذهبت كل دعوات المسيحية إلى السماحة الإنسانية هباء، وغلبتها روح الاستعمار الخبيثة، المنبعثة من النعرة القومية المنعزلة داخل الحدود الجغرافية، ومهما تقل الماركسية عن العلاقة بين الرأسمالية والاستعمار، فسيبقى واضحًا أن الرأسمالية وحدها بدون النعرة القومية لم تكن قادرة على خلق نظام الاستعمار في شكله الذي ظهر به وعرفه الناس عليه.
يبقى المجتمع الشيوعي - وهو مثل المجتمع الإسلامي من ناحية كونه يقوم على فكرة، لا على حدود جغرافية ولا على عصبية عنصرية - ولكنه - على الأقل، في وضعه الحاضر، يعد مجتمعًا مغلقًا، تقوم حوله الأسوار الحديدية فضلا على تجرده من كل سماحة إنسانية، لتغلغل روح الحقد الطبقية في تعاليمه، وتنكره لروح الدين وكل اشعاعاتها الخلقية في الضمير.
وهنالك الفارق الرئيسي البارز بين المجتمع الإسلامي والمجتمع الشيوعي من ناحية حرية العقيدة. .
إن المجتمع الإسلامي كما أسلفنا مجتمع حر مفتوح، تملك جميع العقائد والمذاهب والآراء أن تعيش في ظله، وليس الإكراه عنصرًا من عناصر تكوينه ولا بقائه، وهو لا يحمي نفسه بقوة البوليس والجستابو، ولا يخاف من لا يدينون بدينه ولا يضيق عليهم، ولا يطردهم من الأرض، ولا يدفنهم في ثلوج سيبيريا، ولا يغتالهم بحركات التطهير. . ذلك أنه يعتمد على الإيمان بالعقيدة، وعلى تطوع كل فرد فيه بصيانة النظام القائم على هذه العقيدة. . ومن ثم فحدوده مفتوحة بلا حواجز ولا قيود لجميع المسلمين من كل جنس ولون وصقع، ولغير المسلمين كذلك من المسالمين، لا بل إن المشرك ليملك في الوطن الإسلامي أن يستجير فيجار، ويتحتم حينئذ على الدولة المسلمة أن تحميه، وأن تكفله، وأن تبلغه مأمنه:"وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ" [60]
ولا بد لنجاح أية دعوة عالمية من وجود مجتمع عالمي حر مفتوح، يسمح للمخالفين له في الرأي والعقيدة، أن يعيشوا في ظله آمنين، لأن الناس لا يمكن أن يدينوا جميعًا بمذهب واحد، ولو كان هذا المذهب من وحي إله لا من صنع بشر، وحرمان من يخالفون المذهب الشيوعي حق الحياة في المجتمع الشيوعي يحرمه صفة المجتمع العالمي الذي تتجاوز فيه جميع العقائد، وجميع المذاهب وجميع الأجناس والألوان. .
وكذلك يبدو أن المجتمع الإسلامي وحده، هو المجتمع العالمي، الجدير بعالم حر، وهو وحده السابقة الناجحة في سبيل عالم واحد، تنعم فيه البشرية بالأمن والسلام والاستقرار.
[1] الحجرات: 131.
[2] سورة النساء: 1.
[3] أخرجه أبو داود.
[4] عنوان كتاب للينين.
[5] البقرة: 30.
[6] الحجرات: 15.
[7] أخرجه الشيخان.
[8] أخرجه الشيخان.
[9] سبأ: 28.
[10] الأنبياء: 106.
[11] الإسراء: 9.
[12] البقرة: 265.
[13] المجادلة: 22.
[14] التوبة:
[15] أخرجه أبو داود.
[16] آل عمران: 110.
[17] البقرة: 143.
[18] النمل: 125.
[19] سورة هود: 118.
[20] المائدة: 48.
[21] يونس: 99.
[22] البقرة: 252.
[23] الحج: 39، 41
[24] البقرة: 190 - 194.
[25] الأنفال: 55 - 62.
[26] النساء: 74 - 76.
[27] أخرجه الشيخان.
[28] آل عمران: 19.
[29] آل عمران: 85.
[30] المائدة: 3.
[31] البقرة: 112.
[32] البقرة: 62.