أو العنوان: (من الكلب إلى الكلب) . فتحققت فيهم نبوءة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (وينطق فيها الرويبضة) ، قيل: وما الرويبضة؟. قال: (الرجل التافه السفيه يتكلم في أمر العامة) [1] ، وقوله صلى الله عليه وسلم: (سيكون أقوام يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقرة من الأرض) [2] ، (ولو سكت من لا يعلم لقل الخلاف) ، و (من تكلم في غير فنه أتى بهذه العجائب) ، فلكل علم أهله، ولكل فن فرسانه. وفاقد الشيء لا يعطيه. طبيب يداوي الناس وهو مريض. فكيف بالذي رضع ألبانًا فاسدة، وتربى في أحضان الغرب، وترعرع على موائدهم، وتشبع بأفكارهم المسمومة، وثقافتهم الملوثة (وجريدة الأحداث نموذجا) لا يرون أبعد من أرنبة أنفهم؟. فكُتّاب الغرب يقولون: (اللهم اجعلنا من الضالين المضلين) ، وهؤلاء يقولون: (آمين) .
مع قصور نظرهم، وضيق أفقهم: طاش دماغهم في بحر قذورات الغرب، فظنوا أن كل سوداء تمرة، وكل بيضاء شحمة، وكل مدور رغيف، وكل كتابة علم، وظنوا أن المسك يستخرج ويستخلص من جيف الكلاب. وكل إناءٍ بما فيه ينضح أو يرشح. وحبكَ الشيء يعمي ويصم. والطيور على أشكالها تقع.
يُزَهِّدُني في وُدِّكِ ابنُ مُسَاحِقٍ ... مودتك الأراذِلَ دون ذَوِي الفضل
ومن قل علمه كثر لغطه، وارتفع نباحه على السحاب.
وما ضر بدر السماء في الأفق ... سود الكلاب وقد مشى على مَهَل
ولعلنا نعود إليكم يومًا ما لنريكم من أين تؤكل الكتف.
هاشم جدنا فإن كنت غضبى ... فاملئي الوجه الجميل خدوشا
لكم أقلام ولنا أقلام، لكم أقزام ولنا أعلام. ومرحبًا بكم في الساحة تكتبون ونكتب، وبيننا وبينكم الأيام. (وإن غدًا لناظره قريب) .
حكمة المرء في سن قلمه ... وقلمه فيما تخط يده [3]
دون اللجوء إلى أسلوب امرأة لوط، ومهنة الزبال. أو تهديد فرعون نكيل لكم بمعيار عقولكم، ونزن لكم بميزان عقولكم. ومن أفواهكم ندينكم. ومقالاتكم وتأليفاتكم عبارة عن شقشقة وفخفخة، سرتم فيها على منوال أساتذة مدرسة: (دع ما ليقيصر لقيصر، وما لله لله) . حَذْو القذة بالقذة. فإن العلمانيين: (كأسراب القَطَا، مجبولون على تشبه بعضهم ببعض) [4] ، ولِذَلكم (أسباب تقتضيه، فمنها التشيعات للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حقه من التمحيص والنظر، حتى يتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيُّع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقها من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاء على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله) [5] وكأن القائل عناهم حين قال:
هذي التآليف من بعض الخطيئات ... فاشهد علي وأشهد كل من يأتي
أنها شقشقات واتباع هوى ... وفخفخات وعجبًا بالوريقات
ليْس في القنافذ أملس. وفكرهم من (رُبْد الصدور [6] لا من زبدها) [7] وصدق البوصيري حين قال:
الله أكبرُ إن دين محمدٍ ... وكتابه أقوى وأقوم قيلًا
طلعت به شمس الهداية للورى ... وأبى لها وَصْفُ الكمال أُفُولاَ
والحق أبلج في شريعته التي ... جمعت فروعًا للهدى وأُصولا
لاتذكروا الكُتْبَ السوالف عنده ... طلع الصباح فأطفئ القنديلاَ
(1) - رواه الإمام أحمد في مسنده (15/ 37/38 احمد شاكر) قال: (إسناده حسن، ومتنه صحيح) قال ابن كثير في (البداية والنهاية) (1/ 181) : (هذا إسناد جيد، ولم يخرجوه من هذا الوجه) وللمحدث الألباني بحث في هذا الحديث في غاية النفاسة. لا تطاله يدي الآن داخل السجن المحلي بتطوان).
(2) - صححه أحمد شاكر، والألباني، وضعفه محققو المسند -طبعة مؤسسة الرسالة (3/ 154/ رقم 1597/ 1571) .
(3) -انظر: (رسائل ابن حزم 3/ 11) .
(4) - انظر: (الحسبة في الإسلام 58)
(5) - انظر: (مقدمة ابن خلدون ص4)
(6) -أي ضيقها-
(7) -انظر: (الزاد 1/ 64) .