1 -قولنا: (حكم كلي) : لا يرِد عليه أن كثيرًا من القواعد لها استثناءات [1] ، وأحكام تندُّ عنها، لأن العبرة بالأغلب. والنادر والشاذ لا يخرم القاعدة. قال الشاطبي [2] : ( .. والأمر الكلي إذا ثبت فتخلف بعض الجزئيات عن مقتضى الكلي لا يُخرجه عن كونه كليًا. وأيضًا؛ فإن الغالب الأكثري معتبر في الشريعة اعتبار العام القطعي، لأن المتخلفات الجزئية لا ينتظم منها كلي يعارض هذا الكلي الثابت. هذا شأن الكليات الاستقرائية، واعتبر ذلك بالكليات العربية؛ فإنها أقرب شيء إلى ما نحن فيه، لكون كل واحدٍ من القبيلين أمرًا وضعيًا لا عقليًا.
وإنما يتصور أن يكون تخلف بعض الجزئيات قادحًا في الكليات العقلية، كما تقول: (ما ثبت للشيء ثبت لمثله عقلًا) ، فهذا لا يمكن فيه التخلف البتة، إذ لو تخلف لم يصح الحكم بالقضية القائلة: (ما ثبت للشيء ثبت لمثله) . فإن كان كذلك؛ فالكلية في الإستقرائيات صحيحة وإن تخلف عن مقتضاها بعض الجزئيات.
وأيضًا: فالجزئيات المختلفة قد يكون تخلفها لحِكَمٍ خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلًا، أو تكون داخلة عندنا، لكن لم يظهر لنا دخولها، أو داخلة عندنا لكن عارضها على الخصوص ما هي به أولى). وقال في (الكليات) : (ص122) : (وتخلف الأصل في موضع أو موضعين لا ينافي أصالته) . وعليه؛ فالتعبير بـ (كلي) صحيح، ولا حاجة لاستبداله بـ (أغلبي) [3] مثلا، لأن الأولى يتضمن هذا المعنى وزيادة، لأن القواعد التي تندرج تحتها جميع الجزئيات تسمى (كلية) ، وكذلك تلك القواعد التي لها استثناءات تسمى كلية، فالكلية هنا نسبية. وهذا الأمر يشمل قواعد الفقه والأصول والنحو وسائر القواعد الاستقرائية. وأما التفريق ?الذي ذهب إليه بعضهم- بين قواعد الفقه ?بحيث قال: إنها أغلبية [4] - وبين النحو والأصول ?فيقال عنها (كلية) بناءًا على أنه لا يتخلف عنها شيء من أجزائها- فهذا غير صحيح والله أعلم. وإن كنا نُسَلّم أن قواعد الفقه لها من الاستثناءات أكثر من غيرها، لكن هذا لا يعني أن غيرها لا يَرِدُ عليها شيءٌ من المستثنيات.
(1) -قال الندوي في (القواعد ص44) : ( .. إن القواعد في سائر العلوم لا تخلو عن الشواذ والمستثنيات، وإنما الاختلاف اختلاف نسبة التفاوت فيما بينهما، ثم إن تلك المستثنيات لا تَغُضّ من شأنها، ولذلك تُحفظ المستثنيات كما تحفظ الأصول، حتى يتم الموضوع من جميع الجوانب، لكن القواعد العقلية هي القواعد الوحيدة التي لا تقبل الاستثناء ولا تخرم في حال من الأحوال. ثانيًا هناك قواعد فقهية مثل القواعد الأساسية الخمس، فالمستثنيات فيها قليلة جدًا. إذًا ليس من اللازم أن نركز على صفة الأغلبية في التعريف. ثالثًا: إن ما قاله بعض فقهاء المالكية: بأن أكثر قواعد الفقه أغلبية، فيه دلالة على أن هناك قواعد يسيرة اقرب من صفة(الكلية) . وإن الحموي قد أشار إلى ذلك في قوله: (بأن القواعد الكلية: القواعد التي لم تدخل قاعدة منها تحت قاعدة أخرى، لا الكليية بمعنى الصدق على جميع الأفراد بحيث لا يخرج فرد) (غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر) (1/ 87) رابعًا: وأوجه ما يقال في التعليل لما نحن بصدده: إن هذه الكلية كلية نسبية لا شمولية لوجود الشذوذ في بعض -الماصدُقات) الماصدق: يقصد به الفرد أو الأفراد التي ينطبق عليها اللفظ.
(2) - (الموافقات) : (2/ 53/54)
(3) - كما هو اختيار بعضهم، انظر: (القواعد للندوي) (43) و (شرح الجلة لسليم رستم) (ص17) و (القواعد الفقهية) للباحسَين (ص51/ 52) و (نظرية التعقيد الفقهي ص:46) للروكي محمد.
(4) - انظر: (القواعد الفقهية ص41) و (غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر) (1/ 22) .