وبعد هذا الإيضاح أقول: إن القواعد التي نذكرها في هذا الكتاب هي قواعد كلية وإن كان كثير منها مستثنيات. هذا؛ واعلم أن القواعد لا بد من أن يتحقق فيها وصف (الكلية) بحيث تكون مشتملة على أحكام ما تحت موضوعها من جزئيات، ولا تكون قاعدة لمجرد أنها مفيدة فائدة جديدة فحسب [1] .
2 -قولنا: (يتعرف به) : هذا التعبير أدق من تعبير بعضهم بـ (ينطبق) ، لأن استخراج الحكم المندرج تحت القاعدة لا يكون أمرًا بدهيًا، بل يحتاج إلى إعمال ذهن وشيء من التفكير والتأمل.
3 -لقولنا (على أحكام جزئياته) ولم نقل: (على جميع جزئياته) [2] ، لأن كثيرًا من القواعد أغلبية، وذلك لوجود مستثنيات خارج عنها كما سبق [3] . هذا باختصار فيما يتعلق بالقاعدة لغة واصطلاحًا.
والنفوس ... تشرئب إلى النتائج دون المقدمات، وترتاح إلى الغرض المقصود، دون التطويل في (العبارات) [4] ، ولهذا لا أدعي الاستيعاب ولا مقاربته، إذ هذا أمر يشبه المستحيل، وإنما صورة الأمر ما ذكره الزركشي ?رحمه الله- بقوله: (واعلم أنه ما من نوع من هذه الأنواع إلا ولو أراد الإنسان استقصاءه، لاستفرغ عُمره، ثم لم يُحكم أمره، ولكن اقتصرنا من كل نوع على أصوله، والرمز إلى بعض فصوله، فإن الصناعة طويلة، والعمر قصير، وماذا عسى أن يبلغ لسان التقصير؟!.
قالوا خذ العين من كل فقلت لهم ... في العين فضل ولكن ناظر العين [5]
والشأن في التعاريف كما قال السبت [6] : ( .. أما المصطلحات الواردة في ضمن بعض القواعد فيكتفى بتعريفها الاصطلاحي، من غير اشتغال بشرحه، منعًا للتطويل، وهنا أمر يجب التنبه له، وهو: أني أذكر من التعريفات ما أظنه الأقرب في الدلالة على المطلوب، دون تكلف وتمحل. وقد صرح الجويني [7] بأن الوفاء بشرائط الحدود شديد، وأن المطلب الأقصى رَسْمٌ يؤنس الناظر بمعنى المطلوب، وأن حق المسئول عن ذلك أن يقول: أقرب عبارة في البيان عندي كذا وكذا. وأن الفاضل من يذكر في كل مسلكٍ الممكن الأقصى) .
(1) - انظر (التيسير في قواعد علم التفسير) (ص: 220) .
(2) -كما في (المصباح) المنير (ص510 مادة: قعد) والتعبير بجميع جزئياته أيضًا للأزهري (التصريح 1/ 104) ولابن خطيب الدهشة (مختصر من قواعد العلائي) (1/ 64) ولعلي الرجاجاني (التعريفات: ص149) .
(3) - انتهى من (قواعد التفسير) (1/ 23/24/ 25) الكتاب الذي قمنا بنظمه واختصاره. وهنا ينبغي التنبيه على أن صياغة هذا التعاريف انتقيناها من كتاب: (القواعد الفقهية) ليعقوب الباحسَين (ص13/وما بعدها) و (القواعد الفقهية) لعلي الندوي (ص39/ 44) مع تصرف يسير أما (القواعد) لخالد السبت فهو المرجع الأساسي. هذه هي الكتب التي عندي في السجن. (وجدير أن يكون فيه ما يستدرك علي(قواعد التفسير 1/ 17) ولعلي أعود إليه يومًا ما وأتوسع في شرحه ونظمه، وخاصة إن مَنَّ الله علي بالفرج حتى أكون قريبًا إلى مكتبتي، أما الآن فهذا غاية ما أستطيع وصدق من قال: (أرجو أن يتقبل الله هذا اليسير ويتم هذا التقصير ويعظم الثواب) ومن قال: (فالإنسان وإن زعم في الأمر أنه أدركه وقتله علمًا لا يأتي عليه الزمان إلا وقد عقل فيه ما لم يكن عقل، وأدرك من علمه ما لم يكن أدرك قبل ذلك، كلٌّ يشاهد ذلك لنفسه عيانًا) (الاعتصام 2/ 322) وزلة القلم أصعب من زلة القدم ونسأله تعالى السداد والعون وفي مثل هذا أقول في قصيدة طويلة قلتها بالسجن المركزي 1425هـ:
رَبِّ تَدَارَكْ عِبَادًا ... بَالْحَقِّ عَاشُوا وَدَنُوا
سَدِّدْ خُطَاهُمْ إِلَهِي ... مَنْ غَيْرُكَ المُسْتَعَانُ؟
(4) - (الفهرست ص3) .
(5) - (البرهان) (1/ 12) .
(6) - في (القواعد) (1/ 6) .
(7) - في (البرهان في أصول الفقه) (2/ 489/ فقرة: 686) .