الصفحة 21 من 34

والإسلام قد جعل الرجل قواما على زوجه مشرفا على شؤون البيت ليقرها على أساس متين ونظام حسن وقد أمر المرأة بطاعة بعلها [1] وخدمته كما أمر الذرية بطاعة الوالدين وخدمتهما. وهو لا يستحسن نظاما للبيت متزعزع الأركان لا مدير له ولا مقوم وليس فيه من يكون مسؤولا عن أخلاق أهل البيت ومعاملاتهم وشؤونهم المختلفة. فإذا كان من المعلوم أنه لا يمكن أن يستقيم نظام لبيت من البيوت إلا بالقوام والمشرف على أموره، كان رب البيت أجدر وأليق من غيره لهذا المنصب الجليل في نظر الإسلام، إلا أنه ليس من معنى ذلك أن الرجل قد جعله الإسلام راعيا قاهرا على أفراد البيت لسوسهم كيف يشاء، وإن المرأة فوضت إليه أمَة [2] له مملوكة لا مجال لها في تدبير البيت ولا نفوذ. فالمودة والرحم هما الأساس الحقيقي للعشرة البيتية في الإسلام، فإذا كان على المرأة أن تطيع بعلها، فكذلك يجب على البعل - على حد سواء - أن يستعمل نفوذه في ما يعود على الأسرة بالفلاح والسعادة والهناء ولا يستعمله في الجور والعدوان ولا يريد الإسلام أن يُبْقِيَ على الصلة الزوجية إلا ما دامت فيها حلاوة المودة والرحمة أو إمكان المعاشرة بالمعروف على الأقل وإذا لم تبق هذه المعاشرة ممكنة، فهناك يخير الإسلام المرء أن يطلق زوجه والمرأة أن تخالع [3] بعلها، وكذلك يخير المحكمة الإسلامية أن تفسخ النكاح إذا انقلب وبالا مكان الرحمة.

وأقرب دائرة نجدها بعد دائرة البيت الضيقة هي دائرة الأقرباء وذوي الأرحام. والإسلام يريد أن يرى الذين يمت بعضهم إلى بعض بأواصر الأبوة أو الأخوة أو المصاهرة متعاونين متواسين متضامنين في ما بينهم. وقد أمر الله تعالى في غير موضع من كتابه العزيز بالبر والإحسان إلى ذوي القربى والعشيرة والتعطف عليهم. وكذلك قد تكرر في الحديث ذكر صلة الرحم وكونها من أعظم الحسنات مثوبة عند الله. فشر الناس وأبغضهم في نظر الإسلام رجل يعامل أقرباءه وعشيرته بالنكران واللؤم وسوء الخلق. ولكن حذار أن يذهب بك سوء الفهم إلى أن ميل الرجل إلى أقرباءه وتعصبه لهم في المعروف وغير المعروف عمل صالح يقره الإسلام، كلا، بل الحقيقية أن انتصار المرء لقبيلته وتعصبه لباطلها بإزاء الحق يعده الإسلام من باب الحمية الجاهلية. وكذلك إذا أخذ رجل من موظفي الحكومة يقوم بقضاء حاجات أقاربه بنفقات الأمة أو أصبح يجنح إليهم ويقضي لهم على غيرهم من غير حق ولا برهان، فذلك أيضًا ليس في شيء من العدل الإسلامي، بل إنما هو مما أوحاه الشيطات إليه ووسوس به في نفسه. أما صلة الرحم التي يأمر بها الإسلام فمن شروطها الأولية أن يكون مصدرها الرجل البار نفسه وأن يكون في ضمن دائرة الحق والعدل.

ثم أقرب آصرة بعد آصرة القرابة هي آصرة الجوار. فالجيران كما يقول الإسلام ثلاثة: الجار ذو القربى والجار الجنب أي الأجنبي والصاحب بالجنب، وهو الذي صحبك إما رفيقا في سفر أو شريكا في حرفة أو قاعدًا إلى جنبك في مجلس أو مسجد فكل أولئك يستحقون من الإحسان والبر والعطف أكثر من غيرهم. عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه" [4] .

(1) زوجها.

(2) عبدة مملوكة.

(3) الخلع هو نظام شرعة الإسلام يخول المرأة أن تطلب الانفصال عن زوجها إذا ساءت بينهما العشرة على أن ترد إليه مهره الذي دفعه لها أو أي شيء آخر يتراضيان به.

(4) رواه الأربعة (كتاب التاج الجامع للأصول، كتاب البر والأخلاق ج 5 ص 15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت