الصفحة 40 من 76

هو عابد بفطرته، لا تمرُّ عليه لحظة من عمره لا يكون فيها عابدًا لشيء ما، واعيًا بذلك أم على غير وعي منه، وهو -في أي لحظة من حياته- بين أمرين اثنين لا ثالث لهما: إما أن يكون عابدًا لله وحده بلا شريك، وإما أن يكون عابدًا لشيء آخر غير الله، معه أو من دونه، كلاهما سواء! مما يسمِّيه الله -سبحانه وتعالى-"عبادة الشيطان"».

ثم تحدث المؤلف عن خطورة الشهوات وذكر أنها «وإن كانت مركبة في فطرة الإنسان لحكمة يريدها الله، فهي المداخل التي يستدرج الشيطان منها الإنسان ليبعده عن عبادة الله، بعدًا مؤقتًا كما يقع في المعصية ... أو بعدًا كاملًا ينقطع فيه ما بينه وبين الله، في شرك أو كفر وجحود» .

وذكر أن سعادة الدنيا والآخرة تنال بفضل الله عندما «يؤدِّي العباد حقَّ الله عليهم، من إفراده بالألوهية والربوبية، وتوجيه العبادة خالصةً إليه» .

وأنه «من أجل ذلك يحتاج الإنسان دائمًا إلى لا إله إلا الله، يحتاج إليها وهو كافر أو مشرك ليصحِّح أصل اعتقاده، ويحتاج إليها وهو مؤمن ليتنبّه ويحذر، ويضيّق في نفسه مداخل الشيطان، لكي لا يفتنه عن العبادة الحقة الواجبة لله، وفي جميع الأحوال تؤدي لا إله إلا الله مهمة معينة في حياة الإنسان، ولا تكون"كلمة"تطلق في الهواء بغير مقتضى لها ولا أثر في واقع الحياة» .

ثم ذكر أن «لا إله إلا الله هي دعوة الرسل جميعًا -صلوات الله وسلامه عليهم- من لدن آدم ونوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم وموقف الجاهلية تجاهها موقف واحد لم يتغيَّر خلال التاريخ: موقف الرفض والصدِّ والإعراض والجنوح» .

وتساءل: «فما الذي فيها يدعو الجاهلية إلى اتخاذ هذا الموقف الموحَّد خلال التاريخ، وخاصة من جهة الملأ المستكبرين في كل جاهلية؟» .

وأجاب أن ذلك لم يكن من أجل الكلمة «في ذاتها بغير مقتضى ولا مدلول» وإنما كان «من أجل مدلولها ومقتضاها؟»

وأضاف أن «أهمّ القضايا التي ركَّز عليها القرآن قضيتان رئيسيتان، تجمعان في طيَّاتهما جميع القضايا: قضية توجيه العبادة لله الواحد، وقضية اتباع ما أنزل الله في التحليل والتحريم» .

وذكر أن القرآن لخَّص «موقف الشرك في هاتين القضيتين تلخيصًا دقيقًا في سورة الأنعام وسورة النحل:

{سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا} .

{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ} ».

قال: «فالشرك يتمثَّل -في صورته الاعتقادية- في الاعتقاد بوجود آلهة أخرى غير الله، وفي صورته العملية في التوجُّه بالعبادة لغير الله، والتحريم والتحليل من دون الله. وهذا الذي من أجله رفض المشركون العرب أن ينطقوا بلا إله إلا الله» .

ثم أوضح المؤلف أن «موقف الرفض والصدِّ لم يكن خاصًّا بالجاهلية العربية وحدها إنما هو أمر عام في كل الجاهليات التي كانت من قبل» وأضاف «أنَّ قصص الأنبياء تشير كلها إلى هذه الحقيقة التاريخية. ففي كل جاهلية أرسل إليها رسول نجد"الملأ"يسارعون إلى التصدِّي للرسول وتكذيبه ومحاولة تخذيله عن دعوته، ونجد"الجماهير"المستضعفة تتبع سادتها -إلا القليل منهم- وتصدّ عن السبيل» .

وذكر المؤلف الفرق بين المحرك الذي يدفع الجماهير إلى الرفض وبين محرك الملأ.

فالجماهير قد ترفض ترك «مألوف عبادتها من الآلهة المتعددة، لأن الجماهير -في جاهليتها- تكون أكثر التصاقًا بعالم الحسّ، وهذه الآلهة المحسوسة القريبة تلبي انحرافاتها الجاهلية، وتجعلها تحسّ كلما رأتها أو لمستها أو قدمت لها القرابين أو شعائر التعبد، أنها قريبة من آلهتها قربًا ماديًّا محسوسًا.

وأما الملأ -وهم أكثر تنورًا وأكثر استعلاءً عن الجماهير- فإن الذي يحركهم لمحاربة الرسول المبعوث إليهم ليس قضية الآلهة المزعومة بقدر ما هو قضية"السلطة"».

وقال: «إن ولاءهم لهذه الآلهة صوريٌّ أكثر مما هو حقيقي، وإنَّ دفاعهم عنها -مهما بدا حارًّا- لا ينبعث من الاعتقاد بألوهيتها بقدر ما ينبعث من كونها هي الأداة التي يستعبدون باسمها الجماهير، ويعطون أنفسهم سلطانًا مقدَّسًا مستمَدًّا من قداستها في نفوس الجماهير.

أما القضية الحقيقية بالنسبة إليهم فهي قضية الحاكمية: من يحكم هذه الجماهير؟ هم، أم الله -سبحانه وتعالى- عن طريق تحكيم شريعته؟.

هذه هي القضية الحقيقية التي تستفز الملأ في كل جاهلية ليحاربوا دعوة لا إله إلا الله.

إن السلطة التي في أيديهم، سلطة التشريع التي يحكمون بها الجماهير ويستذلونهم بها ليست سلطتهم أصلًا، إنما هي حق الخالق الرازق المنعم المتفضل، الذي خلق، ثم رزق وأنعم وتفضل، فكان من حقه وحده أن يحل ويحرم، وأن يبيح ويمنع، وليس لأحد غيره أن يشرِّع -أي يحلّ ويحرّم- إلا أن يكون خالقًا مثل الله، رازقًا مثل الله، منعمًا متفضلًا مثل الله، والله {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت