الصفحة 42 من 76

ولكن"الملأ"يتجاهلون هذه الحقيقة، ويتجاهلون أسسها"الاعتقادية"ومقتضياتها العملية، حين يستبدون بالسلطة -سواء حكموا بالدكتاتورية الصريحة أم من وراء ستار كما هو الحال في"الديمقراطية" [1] ، وسواء استجابوا لشهوات الجماهير وأهوائهم أم اكتفوا بشهواتهم هم وأهوائهم [2] - ويظلون يؤصلون سلطانهم"بأنظمة"للحكم و"دساتير"عرفية أو مكتوبة تجعل لهم الحق في التحليل والتحريم، والإباحة والمنع، حتى إذا جاء رسول من عند الله [3] يقول:"لا إله إلا الله""اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"يتغيّر الموقف كله».

وأضاف: «إن الملأ قد يختصمون فيما بينهم أيّهم الذي يتولى"السلطة"ويستعبد الجماهير. وقد يختصمون فيما بينهم وبين الجماهير -كما حدث في الديمقراطية- أي قدر من السلطة يحتفظون به في أيديهم، وأي قدر يسقطونه فُتَاتًا تتلهَّى به الجماهير. أما حين يأتي الرسول الذي يقول:"لا إله إلا الله""اعبدوا الله ما لكم من إله غيره"فإنَّ جوهر القضية يتغيَّر، وتصبح القضية هي نزع السلطة أصلًا من أيدي الملأ، بل من أيدي البشر جميعًا، وردّها إلى الله صاحب السلطان، صاحب الحق في المنع والإباحة، والتحليل والتحريم، ومن أجل ذلك يفزع"الملأ"من دعوة لا إله إلا الله أضعاف أضعاف ما يفزعون من منازعيهم على السلطان الأرضي، ويجنِّدون طاقتهم كلها لمحاربة الدعوة، ويستخدمون الجماهير ذاتها من بين الأدوات التي يستخدمونها لهذه الحرب، بتزييف الحقائق لها تارة، وتارة بالإرهاب» . [4]

ثم عرج المؤلف على واقع العرب الذين نزل فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وخرج منهم ذلك الجيل الفريد في تاريخ البشرية.

ذكر أنهم كانوا «شتيتًا متناثرًا لا يأتلف ولا يتجمَّع رغم وجود كل عوامل التجمُّع» .

وأنَّ الشرك فيهم والذي دعا القرآن بلا إله إلا الله لتخليصه، لم يكن لونًا واحدًا وإنما ألوانًا متعددة «تندرج في النهاية تحت هاتين القضيتين الرئيسيتين: تعدد الآلهة واتباع غير ما أنزل الله.

كانت القبيلة ربًّا معبودًا ... وكان عرف الآباء والأجداد ربًّا معبودًا ... وكان الهوى والشهوات أربابًا معبودة».

(1) أحال المؤلف هنا على فصل"الديمقراطية"من كتابه"مذاهب فكرية معاصرة"حيث بيَّن كيف تحكم الرأسمالية من خلال الديمقراطية، وكيف تحقق جميع مصالحها بينما يتوهَّم"الشعب"أنه هو مصدر السلطات.

(2) وعلَّق المؤلف هنا بقوله: في الديمقراطية بالذات يستجاب لكثير من شهوات الجماهير الهابطة، كجزء من اللعبة الضخمة، لتمرير مصالح الرأسمالية الحاكمة وإيهام الجماهير أنها هي صاحبة السلطان.

(3) ومثل الرسل هنا أتباعهم في كل زمان ومكان، فالحق هو الحق، والجاهلية هي الجاهلية، وإن اختلفت صور وأساليب الصراع.

(4) وتارة بأنصاف الحلول كما قال رهط من مشركي قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يَا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فاتَّبعْ دِينَنا، ونتَّبعْ دِينَك ونُشرِكك في أمرِنا كلِّه، تعبدُ آلهتنا سَنة، ونعبدُ إلَهكَ سَنة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت