الصفحة 43 من 76

ثم أوضح التحوُّل الهائل الذي حدث في نفوس المؤمنين في كل جوانب حياتهم حين خلصت نفوسهم «بلا إله إلا الله من تلك الألوان من الشرك»

ثم أخذ المؤلف يستعرض ويحشد الأدلة النقليَّة والعقليَّة على قضية في غاية الأهميَّة وهي أساس الكثير من الوهن والخذلان الذي أصاب الأمة وهي ما توهمه «كثير من الناس أن لا إله إلا الله كانت مطلوبة بكل مقتضياتها، ومؤثرة في ذلك الجيل الفريد بكل آثارها لأنهم كانوا -قبل ذلك- مشركين، وأنهم لو كانوا في غير هذا الوضع لكان كل المطلوب منهم هو التصديق والإقرار» .

وذكر أن تلك «هي الجناية الكبرى التي جناها الفكر الإرجائي [1] على الأمة الإسلامية، والتي ظلت -مع عوامل أخرى- تفرِّغ لا إله إلا الله من محتواها الحقيقي تدريجيًّا حتى أحالتها في النهاية كلمةً خاويةً من الروح» .

وشرع قبل أن يناقش هذا الوهم في استعراض «صورة لا إله إلا الله مع المؤمنين في المدينة» .

وذكر أن حديثها «لم ينقطع في المدينة، لأنه ليس حديثًا يذكر في مبدأ الطريق ثم ينتقل منه إلى موضوع آخر، إنما يذكر في مبدأ الطريق ثم ينتقل معه إلى كل موضوع آخر» .

ثم شرع في استعراض «نماذج من السور المدنية تبيِّن هذا الأمر» .

وفي حديثه عن سورة المائدة قال إن هذه السورة «نصَّت نصًّا صريحًا على وجوب التحاكم إلى شريعة الله دون غيرها من الشرائع كافَّة، وبيَّنت أنَّ الحكم نوعان اثنان لا ثالث لهما ولا واسطة بينهما: إما حكم الله وإما حكم الجاهلية:

{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} .

وأنَّ من لم يحكم بما أنزل الله فحكمهم عند الله أنهم الكافرون الفاسقون الظالمون:

{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ، {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ».

واستطرد المؤلف في حديثه عن هذه القضية الهامة -الحاكمية- فقال: «وإذا كانت السور المكية قد ركَّزت على الجانب الاعتقادي ... وعلى الجانب الأخلاقي كذلك، وما كان قد فرض في مكة من الشعائر

(1) والمرجئة فرق كثيرة سمّوا بذلك لأنّهم أخَّروا الأعمال فلم يدخلوها في مسمى الإيمان، والإرجاء في اللغة التأخير، وغلاتهم -وهم الجهمية- يقولون: إن الإيمان هو المعرفة، وبعضهم -وهم الكَرَّامية- قال: بل هو الإقرار باللسان، وبعضهم قال: هو التصديق وجعل الإقرار شرط لإجراء أحكام الإسلام في الدنيا -وهم الأشاعرة والماتريدية- وبعضهم قال: هو التصديق بالجنان والإقرار باللسان -وهم مرجئة الفقهاء- وهؤلاء هم أقرب هذه الفرق إلى أهل السنة. ومذهب أهل السنة في الإيمان أنه قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وأرادوا بالقول قول القلب واللسان، وبالعمل عمل القلب والجوارح، وقد حكى غير واحد من الأئمة الإجماع على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت