الصفحة 44 من 76

التعبدية، فإنَّ السور المدنية قد ركَّزت تركيزًا شديدًا على قضية الحاكمية، والالتزام بتحكيم شريعة الله، واعتبار ذلك هو المحكّ لصدق الإيمان، مع التوكيد على الجانب الأخلاقي، والعبادات الأخرى التي فرضت في المدينة.

ولكن من الخطأ البالغ أن نظنَّ أنَّ قضية الحاكمية، أي تقرير كون الحاكمية لله وحده، وأن حق التشريع من تحليل وتحريم وإباحة ومنع هو حق خالص لله لا يشاركه فيه البشر، وأن التشريع بغير ما أنزل الله -معه أو من دونه- شرك، وأن إطاعة الذين يشرِّعون بغير ما أنزل الله شرك.

من الخطأ الظن بأن هذه القضية -بتفصيلاتها تلك- قد تقررت في المدينة حين بدأت التشريعات تتنزل ليقيم المسلمون حياتهم عليها، بل لقد تقررت تقريرًا واضحًا حاسمًا في مكة، في أكثر من سورة مكية، كأصل من أصول الاعتقاد بلا إله إلا الله، لا بوصفها التزامًا سلوكيًّا فحسب».

واستدل بأمثلة من القرآن على ما يقول وكان منها قوله تعالى في سورة الأعراف -المكيَّة-: {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} .

وقال إنَّها «تقرِّر أمرين في وقت واحد: أنَّ الأمر لله وحده بصيغة القصر، الأمر على إطلاقه غير محدد بنطاق معين ولا مجال معين، الأمر في السماوات والأرض وفي حياة البشر كذلك ... أمَّا الأمر الآخر الذي تقرره الآية فهو كون حق الحاكمية في السماوات والأرض وفي حياة البشر مستمدًّا من الخالقية، أي من القدرة على الخلق، فالذي له القدرة على الخلق هو وحده صاحب الأمر» .

واستدل أيضًا بآية الشورى -المكية-: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} .

وقال: «فهي تقرر ذات المبدأ، وهو ردّ الحاكمية لله في كل شيء يعرض للناس في حياتهم، فقوله تعالى: {مِنْ شَيْءٍ} معناها جنس الشيء وعمومه، أي كل شيء على إطلاقه، وكل شيء على إطلاقه حكمه إلى الله في كونه حلالًا أو حرامًا أو مباحًا أو مكروهًا أو مندوبًا» .

ثم ختم استدلاله بقوله: «ومن ذلك يتبيَّن أنَّ قضية الحاكمية لم تبدأ في المدينة بعد نزول التشريع، إنما بدأت في مكة في وقت تأصيل العقيدة وبيان مقتضيات لا إله إلا الله، وجاءت الأحكام القاطعة بعد ذلك في المدينة تقرر أنه من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، وأنه لا يعتبر أحد مؤمنًا حتى يحتكم إلى الله ورسوله، تطبيقًا وتوكيدًا لما تقرر في مكة وقت تأصيل العقيدة» .

وبعد عرض المؤلف لجانب التكليف الرباني تناول «الجانب التطبيقي في حياة المؤمنين في المدينة، كيف تلقوا الأمر الرباني وكيف نفذوه» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت