الصفحة 45 من 76

فقال: «لم يكن أحد في ذلك الجيل المتفرد يتلبث حتى يسأل: هل هذه الأوامر الربانية ... مُلْزِمَة؟! هل هي داخلة في مسمى الإيمان أم زائدة عليه؟ هل يكفي التصديق بأنها من عند الله، أم ينبغي تنفيذها كذلك؟! وهل يكون الإنسان مؤمنًا إذا لم يعمل بشيء منها على الإطلاق؟» .

ثم شرع المؤلف في النظر «في هذه القضية الخطيرة -قضية مقتضيات لا إله إلا الله- من ثلاثة منطلقات مختلفة، تؤدي كلها إلى نتيجة واحدة في النهاية:

أولًا: هل يمكن أن يؤدي هذا الدين أهدافه التي نزل من أجلها إذا كان المطلوب كله هو التصديق والإقرار، أو إذا كان التصديق والإقرار -وحده- يكفي لإعطاء صفة الإسلام، لا في الدنيا وحدها، بل في الآخرة كذلك؟!

ثانيًا: هل كان ما يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في تطبيق مقتضيات لا إله إلا الله، تطوعًا من عند أنفسهم، غير واجب عليهم؟!

ثالثًا: هل يمكن في واقع النفس البشرية أن يؤمن إنسان بشيء ثم يكون سلوكه الواقعي كله مغايرًا لمقتضيات ذلك الإيمان، أو مناقضًا له؟!».

وبدأ بالمنطلق الأول فتساءل: «لماذا يرسل الله الرسل إلى البشرية، ولماذا ينزل معهم الرسالات؟» .

وذكر أن الله -سبحانه وتعالى- قد تكفَّل بالإجابة على هذا في كتابه المنزَّل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ} .

{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} ».

قال: «فإحدى الآيتين تقرِّر أن إرسال الرسل لا يتم من عند الله لمجرد التبليغ والإعلام، بحيث يسع أي إنسان أرسل إليه رسول أن يقول: لقد بلغني الأمر وعلمته. إنما ينبغي أن يقول: لقد بلغني الأمر وعلمته وأطعته، ليكون بذلك قد استجاب للرسول المرسل إليه، وحقق الهدف الذي من أجله أرسل.

والآية الأخرى تبيِّن ذلك الهدف وتحدده، وهو إقامة حياة الناس بالقسط، وهي عبارة موجزة شاملة جامعة تفصلها آيات القرآن الأخرى (والسنة المطهرة كذلك) تفصيلًا دقيقًا محددًا غير متروك لأهواء البشر، ذلك أن تحديد القسط لو ترك لأهواء الناس لفسد كل شيء».

وقال: «ومقتضى الآية المشار إليها آنفًا إن إرسال الرسل وإنزال الكتاب ليس لمجرد التبليغ والإعلام، إنما لتحقيق هدف عملي واقعي في حياة الناس هو إقامة شريعة الله ومنهجه، وإخضاع الناس لهذه الشريعة وذلك المنهج، لأنَّ هذا هو السبيل الوحيد الذي يؤدي إلى قيام الناس بالقسط» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت