الصفحة 46 من 76

وأوضح المؤلف أن هذا المعنى وإن كان «متحققًا في جميع الرسالات من لدن آدم ونوح إلى محمد صلى الله عليه وسلم فالرسالة الأخيرة لها وضع خاص، وتكاليف خاصة، غير الرسالات السابقة جميعًا، وبالإضافة إليها جميعًا.

يقول -سبحانه وتعالى- عن الرسالات السابقة وأهلها: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} ».

قال: «فإذا كانت الأمم المؤمنة السابقة كلها قد كلفت أن تعبد الله"مخلصين له الدين حنفاء"، وتستقيم على الدين وتكاليفه في حدود ذاتها فحسب، فإن الأمة المسلمة قد كلفت هذا التكليف ذاته، ثم كلفت فوق ذلك أن تنشر هذا الدين في كل بقاع الأرض، خلفاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم وامتدادًا له، وأن تجاهد حتى يكون الدين كله لله» .

وقال: «ومقتضى ذلك أن يكون العمل المطلوب من هذه الأمة بعد التصديق والإقرار أضخم بكثير، وأخطر بكثير من كل عملٍ طلب من أمة سابقة في التاريخ» .

ومن هذا المنطلق الذي تحدث عنه المؤلف انتقل إلى المنطلق الثاني وتساءل: «هل كان ما يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام في تطبيق مقتضيات لا إله إلا الله، تطوعًا من عند أنفسهم، غير واجب عليهم؟» .

وأوضح المؤلف «نقطة قد تختلط على الأذهان، فيما بين التطوع والتكليف بالنسبة لجيل الصحابة -رضوان الله عليهم-»

وبيَّن «أن الذي تفرد به الجيل الفريد لم يكن هو قيامه بالتكاليف الربانية، فذلك أمر مفروض على كل الأجيال، ومطلوب من كل الأجيال، إنما تفرد ذلك الجيل بالدرجة العالية العجيبة التي نفذ بها تلك التكاليف» .

وضرب على ذلك أمثلة من حياة الصحابة رضوان الله عليهم وقد ألزموا أنفسهم بالمندوبات وكأنها فروض.

ثم شرع في النظر «في التكاليف التي قاموا بها لأنها تكاليف، لا المندوبات التي التزموا بها وفرضوها على أنفسهم كأنها فروض» .

وذكر متسائلًا مجموعة من الأمثلة بيَّن فيها بعض التكاليف التي قام بها الجيل الأول: كالتزامهم بما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وجهادهم في سبيل الله، وتحقيقهم للعدل الرباني في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت