الصفحة 47 من 76

ثم قرر أن قيامهم بهذه التكاليف لم يكن «تطوُّعًا زائدًا على أصل الإيمان» وإنما «كان يملأ نفوسهم -كما تعلَّموا من كتاب الله ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أن القيام بهذه التكاليف هو مقتضى الإيمان بأنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله» .

وفي حديثه عن المنطلق الأخير تساءل: «هل يمكن في واقع النفس البشرية أن يؤمن إنسان بشيء، ثم يكون سلوكه الواقعي كله مغايرًا لمقتضيات ذلك الإيمان أو مناقضًا له؟!» .

وأجاب بأنها «حالة مستحيلة في واقع النفس البشرية، لم يتحدث عن مثلها أحد في التاريخ، إنما الذي يمكن أن يوجد بالفعل هو وجود إيمان بشيء ما، ووجود بعض التصرفات مخالفةً لمقتضى ذلك الإيمان. هذه حالة طبيعية، بل هي الحالة الغالبة على تصرفات البشر» .

وأوضح أسبابها فقال: «هي الجنوح الموجود في النفس البشرية نحو التفلُّت من التكاليف استجابةً لدوافع تعتمل في باطن النفس» .

وأضاف أنَّ الله وضع في الكيان البشري شهوات -أو دوافع- ووضع في طريق هذه الدوافع قيود، وذلك لم يكن عبثًا وبلا غاية تعالى الله عن ذلك.

وقال إن «الحلال والحرام كله هو القيود التي يضعها الدين في طريق الشهوات ليحدد مقدارها أو يحدد مسارها، وفضلًا عن ذلك فهناك تكاليف أخرى تضع قيودًا من نوع آخر في طريق الشهوات فتحدد مقدارها ومسارها، كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وأخلاقيات لا إله إلا الله، وعلى القمة من ذلك كله الجهاد في سبيل الله» .

وعن مهمة هذه القيود قال: «وتؤدي القيود مهمة مزدوجة في حياة الإنسان، تحدد المقدار الذي يستجيب به الإنسان لدوافعه وشهواته، فتحبس قدرًا من الطاقة أن يتبدد كله في المجال الحسيّ، ثم تحدد مسار هذه الطاقة فترفعها عن المجال الحسيّ الخالص إلى مجال القيم، التي ترسم الوجود الأعلى للإنسان» .

ثم قال: «وهكذا بين الدوافع والضوابط يتوازن كيان الإنسان، ويحقق غاية وجوده وهو في أحسن تقويم» .

وذكر أنه مع ذلك «لا ينضبط تمامًا في كل حالة، ولا يستمر على توازنه في كل حالة» .

لأن"كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون". [1]

(1) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والدارمي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت