الصفحة 48 من 76

ثم قال: «وهنا تحدث المعصية، تحدث بأحد سببين، أو بهما معًا في وقت واحد: إما اشتداد ضغط الدوافع على الإنسان، وإما ضعف الضوابط في لحظة من اللحظات، أو باجتماع السببين معًا في وقت واحد»

وذكر أن «الإيمان بالله واليوم الآخر هو أقوى الأدوات المعينة للإنسان على مقاومة ضغط الشهوات، وبمقدار ما يكون الإيمان قويًّا وراسخًا تكون قدرة الإنسان على الانضباط في داخل الحدود التي رسمها الله، أي تكون الطاعة لأوامر الله، والقيام بالتكاليف التي فرضها الله» .

ثم شرع المؤلف في مناقشة ما استدل به المرجئة «الذين يقولون: إن التصديق والإقرار هما كل متطلبات الإيمان» .

وأوضح مع ذلك معنى هامًا وهو أن «المرجئة القدامى -على كل ما أحدثوه من انحراف في فهم الإسلام- لم يتطرَّقوا قط -ولم يصلوا قط- إلى إسقاط الصلاة أو التحاكم إلى شريعة الله كما أسقطها المرجئة المحدثون، لأنه لم يكن يدور بخلد أحدٍ خلال القرون الثلاثة عشر الأولى أن هناك إنسانًا واحدًا في الأرض الإسلامية يمكن أن يسمى مسلمًا في الحياة الدنيا، ويظل على قيد الحياة، وهو يهمل الصلاة ثلاثة أيام متوالية، أو يتحاكم إلى غير شريعة الله ...

أما المرجئة المحدثون فلم يقفوا عند حد، لقد ولدوا في مجتمع لا يحكم بشريعة الله، وفي مجتمع لا تؤدى فيه الصلاة (ولا غيرها من العبادات) ، ثم تناولوا الجرعة المسمومة من الفكر الإرجائي، فمدوا فكرهم حتى شملوا به كل شيء من مقتضيات لا إله إلا الله، فقالوا: من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام، فتجاوزوا الحاجزين الأخيرين اللذين كان المرجئون القدامى قد وقفوا عندهما: حاجز الصلاة وحاجز الشريعة، فوصفوا المجتمعات التي لا تحكم بما أنزل الله بأنها مجتمعات إسلامية، ووصفوا الناس -كل الناس- بأنهم مسلمون، ما داموا يقولون بأفواههم لا إله إلا الله محمد رسول الله».

ثم ذكر المؤلف الحديث الذي يستدل به المرجئة:"من قال لا إله إلا الله دخل الجنة".

وبين أنه: «خصص بأحاديث أخرى من قول الرسول صلى الله عليه وسلم فاشترط فيه البراءة من الشرك. يقول عليه الصلاة والسلام ...:"من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة" [1] » .

ثم قال: «وبالمقابلة والجمع بين الحديثين يتحدد لنا في شأن لا إله إلا الله أن البراءة من الشرك هي شرط قبولها عند الله في الآخرة، وقد حدد الله ذلك تحديدًا قاطعًا في كتابه المنزل: {إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} » .

(1) أخرجه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت