ثم أردف بقوله: «والشرك أنواع يتحدث الخطباء والوعاظ عن بعضها -الذي لا يغضب ذوي السلطان- ويهملون الحديث عن بعضها الآخر.
فالتوجُّه لغير الله بشيء من ألوان العبادة كالدعاء أو الاستعانة أو الاستغاثة أو النذر أو الذبح شرك لا شكَّ فيه، وما أكثر ما يتكلم الخطباء في هذا اللون من الشرك ...
والتشريع (أي التحليل والتحريم) بغير ما أنزل الله، والرضى بذلك التشريع، شرك لا شكَّ فيه، ولكن الناس في قرنهم الأخير هذا قد جَهِلُوا -أو جُهِّلُوا- هذه الحقيقة الخطيرة، فلم يعودوا يفرِّقون بين المعصية والشرك، وصاروا ينظرون إلى هذا اللون من الشرك على أنَّه معصية مغفورة، إن لم ينظروا إليه على أنه ضرورة مباحة لا إثم فيها. بل إن لم يكن في حسهم -من وراء ذلك- أنَّها تقدُّمٌ وتحضُّرٌ وانعتاقٌ من الأغلال».
وتساءل: «كيف حدث ذلك؟!» .
فأجاب بأن الغزو الصليبي (واليهودي في أطوائه) قد «نحّى الشريعة الإسلامية من كل بلد دنّستها قدماه» وسلط «على الناس ما يصرفهم حتى عن الصلاة والصوم، ثم قيل للناس: لا بأس عليكم! ما دمتم تقولون لا إله إلا الله فأنتم مسلمون ... ثم جاء المرجئة المحدثون -بما تناولوا من سموم الفكر الإرجائي- فقالوا: لا بأس على الناس! فالإيمان هو التصديق والإقرار، ومن قال لا إله إلا الله فهو مؤمن، ولو لم يعمل عملًا واحدًا من أعمال الإسلام» .
ثم عاد المؤلف ليذكر بأن «قضية التشريع هي من قضايا العقيدة الرئيسية» وأن «محك صدق الإيمان -بعد اكتمال الدين- أصبح هو التحاكم إلى شريعة الله بعد سلامة الاعتقاد وأداء العبادات» .
وخلص إلى أن «قضية التشريع ترتبط ارتباطًا مباشرًا وثيقًا بلا إله إلا الله» .
ثم ذكر قول «الفقهاء في قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ} » بأن «القاضي الذي يحكم بغير ما أنزل الله في القضية المعروضة عليه لأنه ارتشى من أحد الخصمين لا يكفر بذلك وإن كان آثمًا يتعرض لسخط الله وغضبه» وأن هذا كما ذكروا كفر دون كفر.
ثم قال: «ولكن ذلك كله لا ينصرف إلى التشريع بغير ما أنزل الله، فالحكم في قضية معروضة بغير ما أنزل الله، بدافع من الدوافع المذكورة في كتب الفقه، بغير استحلال لذلك الحكم، هذا شيء، والتشريع بغير ما أنزل الله شيء آخر مختلف بالمرَّة؛ لأنَّه في الحالة الأولى لا ينقض اعترافه وإقراره بأن شرع الله هو المرجع الذي يرجع إليه في الحكم وإن خالف في التنفيذ. أما في الحالة الثانية فهو يضع من عند نفسه -بغير سلطان من الله- شرعًا آخر مخالفًا لشرع الله، ثم يقول -بلسان الحال أو بلسان المقال- لا تنفذوا شرع