الله، ولكن نفذوا هذا الشرع الذي وضعته لأنه مماثل لشرع الله، أو لأنه أفضل من شرع الله، أو لأنه أنسب من شرع الله».
ثم بيَّن حقيقةً يتجاهلها الكثيرون، ويجب أن يصدع بها الصادقون وهي أن: «هذا الأمر لم يختلف الفقهاء في تاريخ الإسلام كله على أنه كفر مخرج من الملة» .
وليس ذلك فقط بل ذكر أمرًا «آخر لم يختلف الفقهاء في تاريخ الإسلام كله على أنه كفر مخرج من الملة، هو الرضى عن علم وإرادة بشرع غير شرع الله، ولا يدخل في ذلك الإكراه بطبيعة الحال لأن الإكراه ينتفي فيه الرضى» .
ثم عاد ليؤكد على أمر في غاية الأهمية يصف واقعنا المعاصر وصفًا دقيقًا فقال: «هذا الارتباط الوثيق بين لا إله إلا الله وتحكيم شريعة الله، ظل ثلاثة عشر قرنًا متوالية بديهية في حسِّ المسلمين، لا يتصورون الإسلام من غيرها، ولا يتصورون في مسلم أنه يكون مسلمًا من غيرها، وكان حكم الشريعة القائم بالفعل في الأرض يعطي القضية ثقل الأمر الواقع، فلا يفكر الناس في غيره، ولا يفكرون في أن غيره يمكن أن يقع. وكان الفارق -في حسِّ المسلمين- بين الإسلام والكفر، وبين المسلمين والكفار أمران رئيسيان، فضلًا عن أمور كثيرة أخرى، هما الصلاة وشريعة الله. فالمسلمون يصلُّون، ويتحاكمون إلى شريعة الله، والكفار لا يصلُّون، ولا يتحاكمون إلى شريعة الله. ولكن الأمر تغيَّر كثيرًا في حسِّ المسلمين بعد الاحتلال الصليبي لبلادهم وتنحية شريعة الله عن الحكم، ثم تسليط كل العوامل التي تخرج المسلمين من الإسلام ... ثم جاء حكام يحملون أسماء إسلامية، ويحكمون بغير ما أنزل الله، ينوبون عن الاحتلال الصليبي في تنفيذ كل أهدافه، ويقال للناس إنهم مسلمون، وإن"الضرورة"تقتضي أن يحكموا بغير ما أنزل الله. ثم يزداد الناس بعدًا عن الإسلام -بفعل كل العوامل المسلَّطة عليهم- فيقال لهم صراحة: إن الرقي والتحضُّر والتقدُّم والتحرُّر والانطلاق يقتضي تنحية شريعة الله عن الحكم، واستيراد النظم والمبادئ والدساتير والقوانين من أوربا المتحضرة -من غربها أولًا ثم من شرقها بعد ذلك- وإن الشريعة التي نزلت قبل أربعة عشر قرنًا لا يمكن -ولا يجوز- أن تحكم حياة الناس اليوم، وإن"التطور"لا بدَّ أن يأخذ طريقه، وإن الدين هو"الأغلال"التي تعوِّق الناس عن الانطلاق، وإن مصيرنا -رضينا أم أبينا- هو مصير أوربا، التي لم تتقدم إلا بعد أن نبذت الدين» .
ثم أوضح المؤلف أن لا إله إلا الله أُفرغت من محتواها كله ومن مقتضاها كله، وأن «التفلُّت من التكاليف، وعدم كفاية التذكير، والترف المتلف، والسلبية الصوفية، والاستبداد السياسي، والفكر الإرجائي، كل واحد من هؤلاء قد فعل فعله في إفراغ لا إله إلا الله من محتواها الحي على المدى الطويل» .
ثم شرع المؤلف في تناول «الواقع الذي يعيشه"المسلم المعاصر"» .