الصفحة 11 من 224

- {فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} .

ما هي نتائج قسوة القلب؟ {فلما نسوا} . ذلك بعد أن قسى القلب صار معرضًا أكثر وأكثر عن الذكر، والنسيان هنا لا يستلزم أنهم كانوا ذاكرين له، بل هم معرضون عنه ابتداءً، ثم جاءت النعماء بل جاءت بكثرة عظيمة: {فتحنا عليهم أبواب كل شيء} .

وهذا من تمام مكر الله تعالى بهم بعد إعراضهم عن الذكر بسبب قسوة قلوبهم، حتى إذا أخذوا لا يؤخذوا من شيء لا يتندمون على فواته، بل لتزداد حسرتهم حين يؤخذون من النعيم، وحتى يزداد ألمهم حين يرمون من شاهق مرتفع. كما قال تعالى: {حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة} ليزداد مصابهم وكما قال تعالى: {لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد} [آل عمران: 196] فرفعتهم لا لخير فيهم بل هو من إغراء الله تعالى لهم حتى يكون أخذه لهم أليمًا شديدًا. قال تعالى: {ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم، إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا ولهم عذاب مهين} .

إذا تفكرت بهذا وأنعمت به نظرًا وفقهًا أدركت ضلال أولئك الذين يمدحون الكفر وأهله بما فيهم من لذة ونعيم، وما فتح الله عليهم من الدنيا وأسبابها، تحت دعوى أنهم أصحاب نظر وسنة، ويذمون ما فيه أهل الإيمان من بلاء وجهد ومشقة وعنت، فلا يرون جانب الابتلاء لرفع الدرجات وتنقية الصفوف كما قال تعالى: {ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب} ولا يرون عظة وعبرة الاغراء والمكر الإلهي بهؤلاء الكفرة حتى يبين سقوطهم وتعظم مصيبتهم ويزداد ألمهم {فيزداد الذين آمنوا إيمانًا} وليقول أهل الجهالة {وَيْكَأنَّه لا يفلح الظالمون} .

نعم سيتم تدمير ما هم فيه، وسيأخذهم الله تعالى بغتة حتى لا يستدركوا شيئًا فيقدرون الابقاء عليه، وسيزداد تيه أهل الكفر وسيكثر كفرهم، وسيدرك أهل الإيمان عظمة الله تعالى وأنه صاحب الأمر كله، فليس لهم ولا لغيرهم سلطة ولا سلطان ولا يد وسيحمدون الله تعالى وحده، فلا يرون لأنفسهم فضلًا في سقوط أعدائهم وهلاكهم، حينها سيدخلون المدائن مخبتين حامدين شاكرين وهم يقولون: الحمد لله وحده، صدق وعده وأعزّ جنده وهزم الأحزاب وحده، فهذا هو الملائم لختم هذا المشهد التاريخي الطويل وهو قوله: {والحمد لله رب العالمين} وهو مشهد لا يقع في يوم ولا يومين بل إن دخول الزمن عليه وطوله هو من تمام حكمة الله تعالى ليحصل الابتلاء لأهل الإيمان، وليحصل النسيان وطول الأمد وليتحقق معنى {بغتة} عند أخذهم ودمارهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت