كانت السياط تلسع ظهره العاري، تنهشه نهشًا، وسيول الشتائم والإهانات الصادرة من جلاديه أشدّ وقعًا على نفسه وكبريائه، كيف لا وهي تنال من إلهه ودينه ونبيّه ومشايخه وإخوانه؟؟
آه يا"عبدالله".. أتُراكَ تُعاني ممّا أُعاني؟
عادت بـ"أحمد"الذكريات إلى يوم أن هداه الله على يد أخيه عبدالله .. يوم أن كشف الله الران عن قلبه وشرح صدره للالتزام بهذا الدين، يوم أن قرّر هجر أصحاب السوء وسهراتهم وضلالاتهم ولغوهم وغيّهم .. كان ذاك يوم أن واجهه عبد الله مؤنّبًا موبّخًا تارّةً، حانيًا شفيقًا تارّة أخرى، يذكّره بالله وعظمته، ويخوّفه من عذابه وناره، ويرغّبه في جنته ونعيمه .. فإذا بأحمد وكأنّه يدرك للمرّة الأولى أنّ هناك حسابًا ونارًا، وجنّة أو سعيرًا ...
تذكّر أحمد العهد الذي قطعه على نفسه في تلك الليلة، وهو ساجدٌ بين يدي الله، جاهش في البكاء، نادم على ما أضاعه من عمره في معصية الخالق البارئ ... يومها عاهد الله أن لا يرجع إلى ما كان عليه أبدًا، وأن يسير طبقًا لأوامر الدين لا يحيد عنها قيد أنملة، ولا ينحني للشيطان وغيه ووسوسته ...
تذكّر أحمد تلك الأيام والليالي المضيئة الوضيئة، التي غمرته فيها السكينة والطمأنينة، وهو في طاعة الله عزّ وجلّ .. قلبه مملوء رضًا وأمنًا وأمانًا، ملؤه القناعة بالطريق الذي سلكه بعد طول هجران ..
عادت بأحمد الأيّام إلى حلقات القرآن وتذاكر العلم في المساجد، وجهود الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ...
تسارعت الصور والذكريات في مخيّلته، حتّى استقرّت به عند تلك الليلة الظلماء، حين هبّ من نومه فزعًا على صوت قرعٍ شديد على باب الدار الذي ما لبث أن تحطّم، وإذا بجنود الظلام يقتحمون حرمة داره، يخرّبون ويفتّشون ويضربون ... حتّى انتهى به المطاف في تلك الزنزانة بين يدي من لا يرقبُ في مؤمن إلاًّ ولا ذمّة.
"أين مخابئ السلاح؟ من هو أميرك؟ ما هي مهمّتك؟ كم عددكم؟ من يموّلكم؟ ....".
تنبّه أحمد من غفلته حين توقّفت السياط عن عملها، ليسمع تلك الأسئلة التي ما فتئت تتكرّر على مسامعه منذ أيّام .. ولا يجد ما يجيب به عليها .. فمهما نفى وأقسم، ومهما بيّن وفسّر، في غير فائدة أو جدوى، فالقوم مصرّون ومقتنعون، وعندهم الأدلّة على ذلك: فها هي لحية رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذقنه، وهذه تقاريرهم تؤكّد أنّه من روّاد المسجد، لا بل من الدعاة إلى الله الذين يصلحون ما يُفسدونه، وهو من الذين ينهون الناس عن الربا والخمر والزنا الذي تبيحه الدولة وتحميه ...
لم يدرِ أحمد أيجيب أم لا، وإن فعل فماذا يقول؟ وبينما هو على تلك الحال، إذا بمسلسل الذكريات ينطلق من جديد، واسترجع أحمد حقيقةً كانت قد غابت عن ذهنه لوهلة ..
تذكّر أحمد مقولة شيخه التي لم يدرِك مغزاها عندها: (إنّ الدعاة لهذا الدين العاملين لنصرته وإعلاء كلمته لا يمكن أن يعيشوا حياةً سهلة يسيرة آمنة .. إعلم أنّك إن تُرِكْتَ وشأنك، ولم تُعادَى أو تُلاحَق، إعلم أنّك قد حدّت عن الطريق وضللت السبيل .. وإلاّ فلماذا عُودِي الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام، فذبح يحيى وقتل زكريا ورُمِي في النار إبراهيم؟ ولماذا حُوصر محمّد صلى الله عليه وسلم وأصحابُه