بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين؛
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على النبيّ محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد.
فقد كان للعلماء سببان جامعان للتأليف والكتابة:
أولهما: الدخول في زمرة العلماء.
الثاني: القيام بمهمّة الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والأوّل يدخل فيه: شعور القدرة السابقة واستبانتها في النفس أنّه يستطيع أن يكتب في هذا الفنّ فيجمع ويحقّق ويرجّح ويعرض، ولهذا يجلس على كتبه بنفس هادئة صبورة مع الورق والحبر، ويطيل النَّفس في الكتابة بحسب مراده، لا يتعجّل أن يُخرج ما بيده للنّاس ليعلموه بمقدار أن يهتمّ بإتقانه وتحسين بنائه، وهذا السبب يدخل فيه الكثير من الإرادات الدافعة للكتابة، منها: رغبة خدمة العلم، ذلك ببسطه وتسهيله، وتنويع أنماط التأليف وما شابه ذلك.
أمّا الثاني فصاحبه مقهور للكلمة، العبارة تقوده ولا يقودها، تدفعه أن يخرجها من نفسه للنّاس، مِن غير كبير اهتمام بالصورة والشكل، فالحاجة شديدة فلا حاجة للانتظار، وليس هو في منطقة الاختيار في طريقة الكتابة ولا في تطويلها، وهو لا يمشي في طريق يرسمه لنفسه، بل ما يقع من أمور تحتاج إلى إصلاح هي الحاكمة والمؤثّرة. ومن نظر في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية رأى أنّ هذا جليًّا في أغلب كتبه، ولذلك كانت هذه مزيّة له، وما من كتاب له إلاّ وله سبب واقعي دَفَعه لخطّه وكتابته، ولهذا استحقّ هذا العالم أن يكون مصلحًا بحقّ، وكان لزامًا أن يعاني ما يعانيه أصحاب هذا الطريق.
أن يكتب المرء في التفسير في هذا العصر لا يمكن أن ينفع الناس ولا يستطيع أن يقدّم شيءًا زائدًا عمّا قاله الأوائل إن لم يكن مقهورًا للكلمة أسيرًا لها، يريد بها إصلاح أمر وتقويم قضيّة، يعالج ما ألمّ فيكوي ويجرح ويؤلم ولكن إن بارك الله تعالى في عمله أشفى وأبرأ، وإلا كان جامعًا معيدًا لما قاله المتقدّمون من روايات، وفي نهاية الأمر وبعد انتهائه من تأليف كتابه ينطبق عليه قول من قال في بعض المؤلّفات: «لو قيل لكلّ كلمة فيها إرجعي إلى مكانك لم يبق له منها كلمة» . نعم هو لا يعدم الفضل ولكن هناك فرق بين من أراد هذا وبين من أحسّ بالأمر ضرورة فصرخ وأجلب بالخير ليمحو به الكثير من الشرور.
فما كتبه الأستاذ سيّد قطب في كتابه الطيّب -في ظلال القرآن- هو أقرب ما يكون من هذا اللون والنّمط، ذلك أنّه رأى هذه الوحدة الجامعة في كتاب الله لقضيّة الألوهيّة، وهي مدار القرآن الذي أُنزِل من أجلها، ورأى من واقعه ما يقابلها خلافًا ومعاندة، فبدأ ينسج من مقتضيات ولوازم هذه القضيّة من الأحكام ما يردّ على دعاوى الجاهلية المعاصرة، المتجدّدة على هيئة خبيثة من التزوير والتزيّن الذي يخفي حقيقتها المستورة، مع ما أعطاه الله تعالى من البيان الصارم الذي لا يهتمّ كثيرًا بسجع المتأخّرين ولا تنميقاتهم اللفظيّة، بل جعل الجمال أكثر ما يكون حين يكون المعنى جيّدًا وصحيحًا، فتطربك المعاني، وتهتزّ لها، وتغبطه عليها، على شرط واحد أن لا تكون متعصّبًا لصيغ وأنماط التفسير التي يظنّ أنصارها أن القرآن لا يصلح إلاّ لها، ولا يمكن أن يُبسَط إلاّ من خلالها.