الصفحة 2 من 224

حيث يعترف المرء أن الفقيه من حقّه أن يأخذ من القرآن حظوظه، وأن البيانيّ والبلاغيّ له من الحقّ أن يأخذ بغيته، فمن الواجب علينا أن نقرّ للإنسان المسلم أن يأخذ من القرآن راحته واطمئنانه، فحينئذ يعبّر الفقيه عن حظوظه بلغته، ويشرح البلاغيّ والبيانيّ ما أخذ بعبارته، وكذا من حقّ المتذوّق لإنسانيّته في القرآن الكريم أن يشرح للناس عواطفه وأحاسيسه مع هذا الكتاب العظيم الجليل. فمن أعرض عن قراءته فله ذلك، فهو أدرى بنفسه ماذا يحبّ وماذا يشتهي وماذا يريد، لكن ليس له أن يحجر على الآخرين ويقيّد الكلّ في ذاته ومراده، وهذا النوع من الكتابة لم يكتب ليأخذ به شهادة العلم والتقدير، ولم يكتبه كذلك ليأخذه الناس فيستشهدوا به في أبحاثهم وعلومهم، فهو لم يرد هذا وليس هو في نيّته، لكنّه شعر بقهر الكلمة له وأسرها له، فكتب، فإن شئت قرأت، وإن شئت أعرضّت، ولن يضيره في ذلك شيء.

لا يعني كلامنا أبدًا فتح الباب لكلّ من هبّ ودبّ، فالفهم الصحيح له قواعده وله أصوله، ولا يستطيع أحد معه مسكة من عقل أن يجعل الأمر نهبًا لكلّ أحد، وهذا الأمر -أعني التفسير- هو ككلّ أمور الحياة العلمية لا يمكن للمرء أن يصيب مراده إلاّ بقواعد وأصول صارمة، ولكنّ الحديث هنا ليس عن الخطأ والصواب في مسألة علميّة وفهم مراد الربّ منها، ولكن حديثنا عن الحق ّالمطلق لكلّ عالم أن يأخذ حظّه من كتاب الله تعالى في أيّ مسألة من نواحي الحياة ودروبها سواء كانت علميّة أو عمليّة، وأن يكتبها على أيّ وجه كان ملتزمًا بالقواعد الصحيحة، والأصول العلميّة الواضحة. فإنّ كتاب الله تعالى هو كتاب هداية لكل مناحي الحياة، وكتاب بصيرة لكلّ مشكلة، وكتاب علاج لكلّ طوارق الدروب، فالناس نوازعهم شتّى، وظروفهم مختلفة، وميولاتهم متعدّدة، وكتاب الله تعالى يقوم لذلك كلّه.

هذه وغيرها إن أقررنا بها علمنا خطأ من أغلق باب الفهم عن الله في كتابه، وانحراف زَعْم من زَعَم أنّه «ما ترك الأوّل للآخر شيءًا» ، فإن كان القرآن قد توقّف نزوله بموت النبيّ صلى الله عليه وسلم ولحوقه بالرفيق الأعلى، ونحن نعلم أنّ ما عند الله خير لرسول الله ?، لكنّنا نجزم أن تنزلات الرحمة والفهم ستبقى ممدودة موصولة بين السماء والأرض ما دام القرآن بين أيدي المؤمنين به، يقرؤونه ويتذوّقونه، فتبكيهم آياته، وتزيدهم هدى فوق هداهم، وتفتح عليهم من المعارف والمعاني ما يحمدون الله تعالى عليها. ولهذا سيتجدّد في الناس من يصرخ صرخة سيّد قطب حين قال: «لقد وجدّت القرآن» . أو يقول ما قاله والد شاه ولي الله الدهلوي لابنه:"يا بنيّ، اقرأ القرآن وكأنّه عليك ينزل".

نعم هذا النوع من البيان ليس هو من النوع الواجب، بل قد يمنعه أقوام بحجّة ذاتيّته، والناس يريدون من المفسّر فهم الموضوع مجرّدًا لا دخل للمفسّر ولا لمشاعره ولا لعواطفه، وأنا أظنّ أن هذا الفصل بين الذاتيّة والموضوعيّة ضرب من الخيال الذي لا وجود له، فإنّ انتقال القرآن من كونه نصًّا تكلّم الله به إلى تفسير مسلم موحّد له بلفظه وعبارته سيكون المزج تمامًا بين الكلام والأثر، أي بين كلام الله تعالى وبين الهداية الحاصلة في القلب والعقل، فمن أراد قراءة النصّ والكلام وحده فلن يمنعه أحد، بل هو الأصل والمطلوب من كلّ مسلم، ولكن حين تطلب تفسيرًا فإنّك تطلب أثر هذا النصّ على إنسان بعواطفه ومشاعره وعلومه ومعقولاته، فهاتان قراءتان لكلّ منهما ظروفها وأهدافها. ولعلّنا نحبّ كثيرًا أن نقرأ ما في نفوسنا من كلام الآخرين، وحين يتمّ التطابق بين المقروء وبين ما في نفوسنا سنصرخ بكلّ جوارحنا: هذه والله هي البلاغة، وهذا هو تعليم الله لعباده أو كقول القدماء: «للّه درّك! لقد أتيت على ما في نفوسنا» . فجلال المعنى الحاصل في النفس ووضوحه وتبيّنه هو الذي يعطي للكلمة جمالها، ويحبّب للنّاس سماعها، وهذا هو الذي يُطرب له ويُصغَى له ويعلم الناس أنّه ذوّاق رفيع النفس، أديب العقل والقلب، يفهم عن نفسه فيفهم الناس عنه.

قال عبدالقاهر الجرجاني في دلائل الإعجاز: «خبّرنا عمّا اتّفق عليه المسلمون من اختصاص نبيّنا عليه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت