فلا بُدَّ من فقه الواقع ومعرفة الحال على التَّحْقِيق، ولا بُدَّ من فقه الدين ومعرفة الواجب على التَّعْيِين، فإن كان المطلوب فقه واقع الأمة، ومعرفة واجبها، كان ذاك الأمر أَوْجَب، والحذر فيه أَبْلَغ، والاستعانة فيه بالله تعالى أَخْلَق؛ ولكن من رحمة الله تعالى بعباده، أنه كلما كان الأمر عاما، والخطب فيه هائلا، كلما كانت الدلائل لفهمه في دين الله تعالى أقرب، وطرق تحصيله أيسر، وذاك من مقتضى البيان التام الذي تكفل الله تعالى به، ومن لوازم الهدى الذي أخذ الله تعالى على نفسه أن يهونه على الطالبين، وأن يرشد إليه المسترشدين، وأن يسهله على الناس حق التسهيل، إذ قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ، وَأَنْزَلْنَا مَعَهُم الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْط} ، وقال تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم} .
وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بما يدل على هذا دلالة واضحة، ويكشف لكل ذي عقل، أن طريق الحق واضح، وأن مسلك الهدى أبيض، وأن الفاصل بين الحق والباطل أبلج، والبرزخ بين الإيمان والكفر جلي، وأن ما تكون به نجاة العامة وصلاح الأمة لا يمكن أن ينفرد بمعرفة الأفذاذ، وألا يثقفه إلا الأفراد، كما يظن بعض أدعياء الإصلاح، لا ثم لا، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (تَرَكْتُكُمْ عَلَى البَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لاَ يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلاَّ هَالِك) [1] . وقال: (تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّه) [2] . ولكن الهوى هو الذي يطمس البصائر ويحول بين قلوب العباد والهدى.
ولو تأمل العبد واقع الأمة في هذا الزمان، واطلع على ما لحقها من ذل وهوان، واستقصى عن سبب ذلك في شرع الملك الديان، لعلم علم اليقين أن داء الأمة جاءها من إتباع سنن الأمم السالفين، الذين سلكوا مسالك الجهل والظلم، وتركوا هَدْيَ المرسلين، وأخذوا بزخارف الآراء ومضلات الأهواء؛ فلما سلكت أمة الإسلام مسلكهم، واستنت بسنتهم أصابها ما أصباهم، ولحقها من قوارع الدهر ما لحقهم.
(1) رواه أحمد (16519) ، وابن ماجه في المقدمة (43) ، وهو صحيح.
(2) أخرجه مالك برقم (1395) وغيره، وأصله في مسلم (2137) .