ولا يظنن ظان أن أمة الإسلام إن تركت العمل بدين الله تعالى - كما هو حاصل اليوم - أنها أكرم على الله تعالى ممن قبلها، حتى لا يصيبها مثل ما أصاب أولئك، فقد قال تعالى: {لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ، مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِه} ؛ فَلَئِنْ سلط الله على السَّابقين القتل والسبي والخراب، فقد سَلَّطَ على أمة الإسلام ذلك، وأمثاله، من ظهور الأعداء، واستئثارهم بخيراتها وثرواتها، واحتلال بلدانها، وقتل كثير من أبنائها، والتنكيل بِخِيَّارِهَا، والتمكين للعَلْمَانِيِّينَ فيها، ومن لم يُستعمر منها بقوة العسكر والسلاح استعمر بالعمالة ودعوى الانفتاح، ومن لم يستعبد بالحرب والحصار، استعبد بالعَلْمَانِية والتغريب؛ وغير هذا مما لا يخفى إلا على كل غر غبي، ولا يستهين به إلا كل متخاذل مرجئي.
وما زال أعداء الأمة في الداخل والخارج يعيثون فيها فسادا، ويدمرون ما فيها من شيم وأخلاق، ويسطون على ما بها من ثروات وخيرات، حتى صار أمرها شبيها بأمر بني إسرائيل، حين أصابهم عذاب الله تعالى، لَمَّا بدلوا دين الله وطمسوا معالمه، وانحرفوا عن هدي أنبيائه، فسلط الله عليهم من أذاقهم العذاب، كما سلط اليوم على المسلمين مثل ذلك.
فلينظر كل عاقل في هذا، وليعتبر بقياس الأحوال، ولينهض بما يستوجب براءة الذمة، والإعذار إلى الله تعالى قبل فوات الأوان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
قال الإمام ابن جرير الطبري: حدثنا عصام بن رواد بن الجراح قال ثنا سفيان بن سعيد الثوري قال ثنا منصور بن المعتمر عن ربعي بن حراش قال سمعت حذيفة بن اليمان يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا اعْتَدَوْا وَعَلَوْا، وَقَتَلُوا الأَنْبِيَّاءَ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فَارِسَ بُخْتُنَصَّر، وَكَانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَ مِئَةِ سَنَةٍ، فَسَارَ إِلَيْهِمْ حَتَّى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ فَحَاصَرَهَا وَفَتَحَهَا، وَقَتَلَ عَلَى دَمِ زَكَرِيَّا سَبْعِينَ أَلْفًا، ثُمَّ سَبَى أَهْلَهَا وَبَنِي الأَنْبِيَّاءِ، وَسَلَبَ حُلِيَّ بَيْتِ المَقْدِسِ، وَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَبْعِينَ أَلْفًا وَمِئَةَ أَلْفِ عَجَلَةٍ مِنْ حُلِيِّ، حَتَّى أَوْرَدَهُ بَابِلَ) [1] .
وقال الإمام ابن كثير الدمشقي رحمه الله تعالى: (قال إسحاق بن بِشْر: أنبأنا إدريس، عن وهب بن منبه قال: إن الله تعالى لَمَّا بَعَثَ أرميا إلى بني إسرائيل وذلك حين عظمت الأحداث فيهم، فعملوا بالمعاصي، وقتلوا الأنبياء، طمع بختنصر فيهم، وقذف الله في قلبه وحدث نفسه بالمسير إليهم، لما أراد الله أن ينتقم به منهم، فأوحى الله إلى أرميا:"إِنِّي مُهلك بني إسرائيل، ومنتقم منهم، فَقُمْ على صخرة بيت المقدس يأتيك"
(1) جامع البيان عن تأويل أي القرآن (2915) .