الأمر والإرشاد بهذا المطلع الرحيم الودود الدال على التحبب: {وقل لعبادي} ، ومن تأمل كلمة {قل} في كلام الرب سبحانه علم أنها على وجه يُراد منها التنبيه والتكرار، أي ذكرى بعد ذكرى، وعظمة بعد عظة، وإلا فما وجه ذكر الواسطة هنا - وهو الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم - وقارىء القرآن المتعظ به يعلم متكلّمه ويعلم واسطة التبليغ له، لكنّه التشريف أولًا بالتنبيه على شرف الواسطة، ثم إفادة الإعادة والتكرار مرّة بعد مرة لحاجة الناس له من جهة وسرعة غيابه عنهم من جهة أخرى، فقل يا محمد {لعبادي} ولما كان الموطن موطن شرف ورفعة قدر، ولما كان الباب هو في المعالي كان هذا الخطاب لهم، والتذكير هم أحق به وأهله.
- {يقولوا التي هي أحسن} ...
والحسن جمال وتمام، لا يقع اسم الحسن إلاّ على اجتماعهما، وبتمامها تميل النفس إلى صاحبها، وترتاح له وتبتهج للقياه، والحسن يكون في الخلقة كما يكون في الخُلُق، كما يكون في القول، وههنا أمرٌ بحسن القول، ولا يكون القول حسنًا إلا بفضل لانظم ورقة المعنى وتجنّب البذاءة والقبح، حينها يتغلغل إلى نفس المخاطب ويحصل المراد، وتقطع على الشيطان منافذه وسُبُله.
والقول الحسن هدية - كما قالوا - نعم الهدية ونعم العطية كلمةُ حكمة تطوي عليها ثم تبلغها أخًا لك في الله، والتلاق بين العبودية لله وبين القول الحسن بيّن ظاهر في هذه الآية، لأن خُلُق العبد لا يتجزّأ في وديان متضاربة، فحسن العمل مع الله لا يكون مع سوئه من الخلق"فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله".
ومن الأمور التي يجدر التنبيه عليها هي تلك الكلمة العظيمة التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم أوّل ما وطئت قدمه الشريفة المدينة النبوية، وهي أوّل كلمة قالها لتعبّر عن مقوّمات المجتمع المسلم، فقد قال عبد الله بن سلام - الإسرائيلي - أبو يوسف حليف بني الخزرج، وقد بُشِّر بالجنة كما في البخاري [1] ، قال: لمّا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة استشرفه الناس: أي رفع الناس أبصارهم يتطلعون إليه، فقالوا: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم: فخرجتُ فيمن خرج فلمّا رأيت وجهه عرفت أن وجهه ليس بوجه كذّاب، فكان أوّل ما سمعته يقول: (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام) .