الصفحة 93 من 224

بذلك من معاينته حقيقة علم أمْر الإسلام وظهوره على الأديان من لم يكن فقهه، ثمّ ذكر أنّ النَّفر إذا كان مطلقًا بغير صلة بشيء أنّ الأغلب من استعمال العرب إيّاهُ في الجهاد والغزو.

قلت: قد وردت آيات في كتاب الله تعالى تدلّ على هذا المعنى، منها قولُ الله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سُبُلَنا وإنّ الله لمع المحسنين} [العنكبوت: 69] .

وهذه الآية ذهب بعض المفسّرين إلى أنّ المراد بها المعنى الأعمّ في الجهاد، فعن السدي أنّها نزلت قبل فرض القتال، كذا ذكره عنه ابن عطية وقال: فهي قبل الجهاد العرفي وإنّما هو جهاد عام في دين الله وطلب مرضاته.

وعن أبي سليمان الداراني: ليس الجهاد في هذه الآية قتال العدوّ فقط، بل هو نصر الدين والرد على المبطلين وقمع الظالمين، وعظمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وقال ابن جرير في معناها: والذين قاتلوا هؤلاء المفترين على الله كذبًا من كفّار قريش، المكذّبين بالحقِّ لمّا جاءهم فينا مبتغين بقتالهم علوّ كلمتنا ونصرة ديننا لَنُوَفِّقَنَّهم لإصابةِ الطرق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام.

وذكر ابن عطية في تفسيره: وقال سفيان ابن عيينة لابن المبارك «إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور» [أُنظر تفسير الطبري/ 11/ 21/15 والقرطبي: 13/ 365، وابن كثير: 3/ 464، وابن عطية: 12/ 39] .

فائدة:

قلت: وصدق ابن عيينة والله ونصح، فإنّ هذا الدين العظيم دينٌ به الحياة، ولا بُدَّ لبقائِهِ حَيًّا في الأمّة أن يتحرّك به حملته لمواجهة أعداءِ الله تعالى، وهو دينٌ يقارع البيانَ بالبيان والسنانَ بالسنان، وإنّما أنزله الله تعالى لأجلِ ذلك، نورًا وهدىً للناس، وكلّما ازدادَ أعداءُ الله تعالى به تربُّصًا وكيدًا، كلّما سخّر له من الذابّين عنه المجاهدين في سبيله ممّن يُظهر الله تعالى الحقَّ على أيديهم وينصرهم به وينصره بهم، ولا شكّ أنَّ هذه الحركة التي هي ماءُ الحياة وروحُها هي البيانُ العمليُّ والتحقيق الواقعيُّ لما أمرَ الله به من توحيده والكفر بالطاغوت والإيمان بالله وموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين والحبّ في الله والبغض فيه ونصرة المستضعفين وإغاثة المظلومين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والهجرة والإنفاق والإيثار وكلّها معانٍ تحتاجُ إلى توفيق الله تعالى بمعيَّةِ الله لعبده كما قال عزّ وجلّ في آية العنكبوت السابقة: {وإنّ الله لمعَ المحسنين} ، قال ابن جرير: وإنّ الله لمع من أحسَن من خلقه، فجاهدَ فيه أهلَ الشرك، مصدّقًا رسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله بالعون له والنصرة على من جاهد من أعدائه، وهذه المعيّة الربّانية لا شكّ أنّها سببٌ عظيمٌ في فتح كنوز الفهم والفقه في دين الله تعالى.

تنبيه:

ولا يظنَّنّ أحدٌ أن العلم يحصلُ بمجرّد القتال وسكنى الثغور هكذا على طريقة الإلهامِ البدعي!

بل لا بُدَّ لحصول العلم من تحصيل آلاته وأسبابه مع توافُرِ شَرْطَيْه: حسن النية والصبر عليه، وإنّما أردنا أن ننبّه إلى أنّه لا تعارض بين القيام بالجهاد المفروض وبين تحصيل العلم وكلاهما مطلوبٌ مرغوب، وشأن المسلم ألاّ يشغله واجبٌ عن واجب ولا بعض الإسلام عن بعضه الآخر، والقرآن الكريم نبّه إلى هذه النكتة كما ذكره بعض مشايخنا رحمهم الله تعالى فتراه يذكر أحكام الصيام والأهلِّة والحج والعمرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت