قال معاذ رضي الله عنه: (كيف انتم عند ثلاث؛ دنيا تقطع رقابكم، وزلة عالم، وجدال منافق بالقرآن؟) .
فسكتوا.
فقال معاذ بن جبل:(أما دنيا تقطع رقابكم؛ فمن جعل غناه في قلبه فقد هدي، ومن لا، فليس بنافعته الدنيا.
وأما زلة عالم؛ فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن فتن، فلا تقطعوا منه آمالكم، فإن المؤمن يُفتن ثم يتوب.
وأما جدال المنافق بالقرآن؛ فإن للقرآن منارًا كمنار الطريق، لا يكاد يخفى على أحد، فما عرفتم فتمسكوا به، وما أشكل عليكم فكلوه إلى عالمه) [1]
أعلم يا عبد الله تعالى: أن الدنيا قد أذنت بصرم وانقطاع، وأن الفتن قد هبت هبوب الرياح العواصف، فصمت الآذان، وقطعت المنارات الهادية، ولم يبق في الناس إلا بقية قليلة من أهل الخير، قلة قليلة تعينك على الخير، وتدفعك للهدى، وتذكرك بالطاعة، فها هو أمرنا قد صار إلى ما قال إمام العلم وجبل الهدى وقاضي الإسلام؛ معاذ بن جبل رضي الله عنه.
دنيا تقطع الرقاب: لكثرتها وتزينها، فهي من كثرتها لا تبلغها الرقاب ولو تطاولت لها، ومن انتشارها لا تبلغها الرقاب ولو جرى الإنسان لإدراكها، فليست مصيبة الناس في دنياهم، وإن كان سعيهم لتكثيرها وتجميلها قد قطع رقابهم وشغلهم عن الخير والهدى.
إذ أنك ترى الرجل عالمًا بالدنيا، خبيرًا بدروبها ومسالكها، جاهلًا بالدين والآخرة، ولو سألته: أقرأت كتاب فقه كامل؟ لكاع وتردد، ولو سألته أقرأ كتاب تفسير كامل؟ لجمجم وخنس!
ومع ذلك يملأ الدنيا بصراخه ويعم الآذان بآرائه، ولو سُئل عن مسألة من مسائل الدنيا لأجاب فيها إجابة الخبير البصير.
والمصيبة الثانية؛ زلة العالم: فهذا العالم الصالح البصير المهتدي، يزل زلة واحدة فتكون الفتنة، فكيف يكون الحال حين يُصبح العالم بوقًا للطواغيت، ولسانًا يتحدث باسمهم، يبيع الفتوى بالمنصب، ويبذل العلم لصاحب السيف والذهب، ليس له هم إلا تبرير أفعال الطواغيت المرتدين، وإسباغ الشرعية على حكمهم وسلطانهم، ولسانه قاطع حديد على المجاهدين الموحدين، لا يجد ثغرة إلا ووسعها، ولا ثلمة إلا نشرها.
فكيف الحال يومذاك، وكيف سيكون حال الأمة:
-عامتهم تقطع رقابهم الدنيا، سعيًا لادراكها مع أنها كثيرة بين أيديهم.
-ومشايخهم يزورون دين الله تعالى.
فكيف ينجو المرء بقليل من العلم، أو بنتف يسيرة من الفقه؟ إن مجرد حفظ المرء لبعض العلم ليست بكافية في هذا الزمان لنجاة المرء، لأن الفتن قد غلبت، والشبه قد طارت في كل واد، وأعداء الحق يأتونك من كل جانب.
فهم من باب التقوى يأتونك حينًا.