ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس، وانتشرت وسائل الفساد والإفساد في جميع أقطار الأرض - إلا ما رحم الله - وعم الجهل بالدين وفرائضه وحرماته، حتى صار غريبًا في بلاده وأوطانه ووسط أهله وأبنائه. وكان للفضائيات وما يبث فيها من شهوات وشبهات أعظم الأثر في إفساد القلوب والأديان.
إضافة إلى ظهور عوامل أخرى أدت إلى ضياع هوية الأمة، منها:
-كثرة الملاهي ووسائل الترفيه البريء وغير البريء.
-انتشار وسائل السفر السريعة التي قاربت بين البلدان المتباعدة وسهلت الوصول إليها، وصاحب ذلك وفرة عروض السياحة المتنوعة بأثمان يسيرة مخفضة.
-قلة الاهتمام بالعلم الشرعي وانتشار الجهل بشعائر الدين والحلال والحرام في أوساط العامة حتى المثقفين بالعلوم المختلفة، فتجد طبيبًا أو مهندسًا أو صانعًا أو ضابطًا يجهل مهمات في الأصول والفروع، إما لعدم الوقوف عليها ودراستها أو لكثرة ما أتى على الفكر والقلب من شواغل ومشكلات منسية أو ماحية بالكلية، وما اقتضته ضرورات الحياة من طلب المعايش أو تحسينها، زد على ذلك مايرد على القلوب والعقول من شبهات في الدين ملبِّسة مما يبثه شياطين الإنس والجن، (ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) .
الطريق المعوجّ:
وفي مقابل ذلك كله يُضيَّق على الدعاة إلى الله وتُوقف الدروس والمحاضرات، ويُشدَّد على الخطباء والوعاظ وتُحجَّم وسائل الدعوة ومراكزها ويُضيَّق الخناق على رجال الحسبة وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحذف من مناهج التعليم الشرعي العام أبواب وفصول أهمها ما يتعلق بالولاء والبرآء والتميز العقدي وجهاد أعداء الله، حتى تذوب شخصية المسلم ويصبح مذبذبًا متحيِّرًا، مما يزيده وهنًا على وهن وجهلًا على جهل ويجعله أكثر عرضة للانحلال من الدين كله، وزعم"الطانزون""المتحذلقون"ممن يخطط لهذا المسخ أن:"هناك دَش وتطويل وإرهاق لأذهان الطلاب من الجنسين ونريد التخفيف عليهم من ثقل المناهج الدينية"!! وأجاب المصلحون:"وهناك دش وتطويل مثله وأكثر منه في غيرها من المواد الدراسية مما لا حاجة للطلاب إليه، بل ربما يكون من ضياع الأوقات والأعمار فيما لا نفع فيه في الحياة العملية"، ونظرة فاحصة لما تحويه كثير من تلك العلوم المختلفة تظهر لك عدم حاجة الطلاب من الجنسين إلى كثير من الفصول والأبواب في مواد الرياضيات والعلوم والجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية، وغيرها.
الطريق القويم:
وكان الأجدر والحال ما ذكرت وفوق ما وصفت أن تستنفر الأمة جميع طاقاتها الدعوية لصد العدوان الغاشم على الأخلاق والأديان، فيتوسع في نشاطات الدعوة ويمكن للدعاة والخطباء والوعاظ من إقامة الدروس العلمية في المساجد والمدارس والنوادي والدوائر الحكومية حتى الأسواق والمقاهي، ويدعموا بسائر أنواع الدعم المادي والمعنوي، وهذا الاستنفار عام لكل الدعاة على اختلاف ألوانهم ومشاربهم لا يخص منهم طائفة دون أخرى، إذ الحاجة، بل الضرورة، تستدعي تعاون الجميع لمصلحة الإسلام وأمة الإسلام.
وقد يقال: ليس كل العاملين في حقل الدعوة ممن ترتضى طرائقهم ومناهجهم، كجماعة التبليغ والإخوان والتحرير ... وهلم جرًا.
والجواب: نعم، أكثر الدعاة إلى الله في هذه الأيام ينتسبون إلى تلك الأحزاب والجماعات، ولا ينكر أحد هذا، فهو مشاهد ملموس في جميع الأقطار الإسلامية وغير الإسلامية، ولهم جهود مشكورة، وعليهم مآخذ مشهورة، سواء على أفرادهم أو جماعاتهم، والكلام فيها يطول ويطول. وكنا نود أن