الصفحة 6 من 14

مهما قيل عن عداوة البعيد والغريب، فإنها ليست كعداوة المجاورالقريب الذي هومن جلدتك ويتكلم بلسانك ويساكنك في بلدك وقريتك وربما بجوار بيتك فهو أخبر بمواطن الضعف والقوة فيك، وأخبر بما يؤذيك ويرديك.

ولقد قضى الله عز وجل - ولا راد لقضائه - أن يوجد في الأمة تلك الفئة التي سماها في كتابه باسم لم يكن يطلق من قبل على فئة بعينها وهم"المنافقون"، وحذر منهم أشد تحذير، وحكى من أقوالهم وأفعالهم الكثير الكثير .. وقضى كذلك بأن تفترق هذه الأمة في دينها فرقًا كثيرة، بعضها أخبث من بعض في النحلة وأشد في العداوة والتأثير.

فأما المنافقون فقد ظهروا في المدينة النبوية بعد غزوة بدر وعانى منهم النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ما عانوا، ونزلت في فضحهم آيات وسور، وبصرتنا كيف نتعامل معهم في الحرب والسلم. وأما الفرق الضالة عن الدين الخارجة على جماعة المسلمين فقد ظهرت أصولها في عهد الخلفاء الراشدين، ولم تزل في تشعب وتفرق إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله رب العالمين.

وقد خط لنا السلف الصالح الطريق الأقوم في التعامل معهم، بحسب نوع البدعة وخبثها وبعدها عن سبيل المؤمنين أوقربها، وبحسب قوة المسلمين وضعفهم، وبحسب ما تقتضيه المصلحة التي توافق أصول الشرع ولا تخالفه.

وأقل درجات المعاملة مع المنافقين والمبتدعة المارقين، هو هجرهم وإقصاؤهم وتحذير الأمة من شرورهم وضلالاتهم. وربما اقتضى الأمر - أحيانًا - إظهار اللين معهم دون أن يتخذوا بطانة أو يلتمس منهم نصرة أو إعانة.

الطريق المعوجّ:

ولقد ظهر في الأمة من ينادي بتمييع قضايا الدين والعقيدة وإلغاء الفروق بين الناس فيها، تحت شعارات"قومية"أو"وطنية"، ونعرات جاهلية عرقية.

ومما أحدث اليوم ما يسمى"الحوار الوطني"، وهو مجموعة لقاءات ومجالس تعقد هنا وهناك، ويشارك فيها ممثلوا فرق وأحزاب متناحرة، ونحل ومذاهب متنافرة، للبحث في شئون الأمة وسياستها ومشكلاتها الداخلية.

فهاهو ذا"العلماني"الموغل في"العلمنة"والذي أظهر ولم يبطن وأعلن ولم يسر، عن رأيه وموقفه من الدين بما لا يبقى معه شك أو بعض شك أنه عدو لله وعدو للمسلمين، ولا ينفك في كل مناسبة من طرح تلك الآراء الشاذة تنضح بكل ما يسيء للدين ويثير حفيظة المؤمنين.

وهاهو ذا داعية الشرك والضلال ومؤلف الكتب المشهورة التي دار فيها"حوار"قديم من نحو ربع قرن، ولا يزال مجتهدًا في إحياء"مفاهيم"الوثنية الجاهلية وغيرها من المحدثات القولية والعملية.

وهاهو ذا رأس من رؤوس"الرافضة"التي رفضت الدين والملة منذ أن نشأت الفتنة، والذي يتبجح بتكفير الصحابة وسبِّ سلف هذه الأمة الخيرة، مظهرًا خبثه وبدعته وولاءه، فقبلته"كربلاء"وكعبته"النجف"وإمامه"الحاضر"هناك، وأما"الغائب"فهو حبيس السرداب"عج"!!

فما هي تلكم المصالح"الوطنية"المشتركة التي يمكن أن يجتمع لتحقيقها وتحصيلها أمثال هؤلاء مع علماء الأمة ودعاتها وولاة أمورها؟

وما هي"المحاور"التي يمكن أن يناقشها مثل هذا الخليط"المتنافر"في العقائد والأصول"المتباعد"في المذاهب والمشارب"المتناقض"في الهداف والغاية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت