الصفحة 4 من 14

لم تزل هذه الأمة منذ أن بزغ فجر الرسالة المحمدية وهي في عراك دائم وصراع مستمر مع أعدائها من أهل الملل الكافرة، وعلى رأسهم اليهود والنصارى والمشركون، وقد ذكرهم القرآن في مواضع كثيرة وحذر منهم وأمر بمعاداتهم ومجادلتهم بالحجة والبيان، ومجالدة المعاندين منهم بالسيف والسنان، ورخص في بعض الأحوال أن يكف عنهم وعن إعلان عداوتهم إن خيف من بطشهم وطغيانهم، كما قال تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة) .

قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية ما ملخصه: (هذا نهي من الله وتحذير للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ... ومن يفعل ذلك التولي فهو بريء من الله والله بريء منه ... إلا أن تخافوا على أنفسكم في إبداء العداوة للكافرين، فلكم في هذه الحال الرخصة في المسالمة والمهادنة، لا في التولي الذي هو محبة القلب الذي تتبعه النصرة) اهـ.

وقد ازداد طغيان الكفر في هذه الأزمان واشتدت وطأتهم وعتوهم وفجورهم وجرائمهم وبطشهم بالمسلمين، وطال ظلمهم كل ديار الإسلام وتعدوا على الأديان والأنفس والأعراض والأموال والأوطان. وزادوا على ذلك العدوان الظاهر بعدوان آخر على العقائد والأخلاق والأديان، بما يسمى"الغزو الفكري"أو"الثقافي"، الذي هو في الحقيقة أخطر.

الطريق المعوج:

في مقابل ذلك سارعت أكثر الحكومات المتسلطة على بلاد المسلمين ورقابهم إلى عقد صفقات الخيانة والعمالة مع أعداء الأمة والملة، وفتحوا لهم ولأطماعهم أبواب بلادهم على مصاريعها ليدخلوا من أيها شاءوا، وتسابقوا إلى إعانتهم وتوليهم ونصرتهم بسائر أنواع الإعانة والنصرة، بالمال والنفس والعتاد والرأي والمشورة، وسخروا لهم كل درب وذللوا أمامهم كل صعب، بما لا تكاد تجد له مثيلًا من قبل على مر العصور. (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) ، ولم يقتصروا على ذلك، بل زادوا عليه بأن عطلوا كثيرًا من شعائر الدين وحكّموا القانون الغربي اللعين واعتاضوا به عن شريعة رب العالمين وهدي سيد المرسلين، صلى الله عليه وسلم.

ومما عطلوه وألغوه من قانونهم ودستور بلادهم الجهاد في سبيل دين الله، فلم يعد له ذكر، إلا ما يقرأ في المحاريب من آي الكتاب، قراءة من غير شرح ولا تفسير. والأمر فوق ما وصفت بكثير، ولكن ليس كل ما يعلم يقال، والله المستعان.

وظهر في الأمة طائفة مستغربة من بني جلدتها، ادعت الفهم والعلم، ولبست ثوب الثقافة والأدب، وتسنمت مناصب عليا في قطاعات مختلفة في التعليم والإعلام والسياسة وغيرها، وظيفتها طمس معالم الإسلام من هذه الأمة، وإحلال ثقافة الغرب وأخلاقه محلها، وصدق في هذه الشرذمة ما قاله الرافعي في أحد أقطابها: ( ... و"طه"رجل أرسلوا لسانه وقلبه إلى أوربا، فرجع بلسانه وترك قلبه هناك في خرائب روما ... ) [انظر"تحت راية القرآن"ص162] .

الطريق القويم:

وكان الأجدر بأولئك الرؤساء المتسلطين على البلاد والعباد أن يحكِّموا فيهم شرع الله ودينه ففيه وحده الخلاص من ذل الدنيا وعذاب الآخرة، وبه تنال العزة والتمكين للحكام والمحكومين.

وكان الأحرى بهم نبذ كل دخيل على الأمة وإقصاء تلك الشرذمة المستغربة وجمع الكلمة على الإسلام والحق والرحمة بالخلق، وكف الأذى والظلم والجبروت عنهم، فإن (شر الرعاء الحطمة) ، و (ما من راع يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت