أخرجناها من بيتها ومخدعها و"مملكتها"التي هي فيها"الراعية""الآمرة الناهية"، ووظفناها"عاملة"و"خادمة"، هذا في المهن الشريفة، أما في غيرها فلها أوصاف أخرى. بالله عليكم، مالفرق بين الخادمة في البيت، وبين الممرضة والمضيفة؟ بل الممرضة والمضيفة وكثير من العاملات والموظفات في المستشفيات والشركات والمصانع والمتاجر وغيرها، أسوأ حالًا من خادمات البيوت، وأكثر عرضة للفتنة والابتذال.
أي"عجلة للتنمية"تتوقف على"استخدام"النساء في كثير من هذه الأعمال والمهن؟ أفيدونا أفادكم الله! ولئن كانت ضرورة الحياة أرغمت بعض النساء على العمل، فإن الحال لا ينطبق على الجميع، و إلا كيف تفسر وجود عدد كبير من المترفات من بنات"الذوات"في شتى الوظائف يزاحمن الرجال؟
ومما نشرته صحائف السوء وأشادت به من أخبار النساء اللواتي خلعن رداء الحشمة والوقار، وتبرجن تبرج الجاهلية، تلك المرأة التي اختيرت عضوًا في"هيئة الأمم"لتخالط الكفار في أكبر صرح جاهلي معاصر تهيمن قوانينه ونظمه الجائرة على سياسة أكثر الدول المعاصرة.
هذه المرأة"المسلمة"التي نشأت في بلد مسلم محافظ، يغلب على أهله العفاف والستر والحشمة، لم تكن يومًا في حاجة إلى عمل أو وظيفة لتقتات بها، ومع ذلك رضيت ورضي وليها بأن تنحدر إلى تلك الهوة السحيقة، طلبًا للجاه وسعيًا وراء الشهرة. أي منقبة لتلك الدكتورة وأي مصلحة للبلاد وللأمة تراها تحصلت من اختيارها من دون بقية الرجال في ذلك المكان؟ وكيف سمحت بأن تعرض نفسها للفتنة، وقد سمعت وسمع العالم بما صنعه ذلك الرئيس مع موظفته في ذلك البيت الأسود؟!
ومما نشرته الصحف أيضًا وأشادت به خبر تلك الأخرى التي أصبحت أول"سائقة"للطائرة (كابتن) ، وهي تنتمي كذلك إلى هذا البلد المسلم المحافظ ... وكأنها إن قادت الطائرة بدلًا من الرجال، سرَّعت عجلة التنمية في هذه البلاد!! وقد جعلت منهما وسائل الإعلام الخاسرة أنموذجًا للنساء يحتذى، وكان الأولى أن تعزى الأمة فيهما وفي أمثالهما.
أما عن الأخريات اللاتي أخذن يتسابقن إلى الظهور والتبرج أمام الناس في برامج الفضائيات والأخبار والإعلانات والمسلسلات، فحدث ولا حرج.
ولا أظن عاقلًا - رجلًا كان أو امرأة - إلا وينكر مثل هذا التبذل الذي وصلت إليه كثيرات من"العاملات"أو قل"الخادمات"في تلك الأماكن المختلطة، خاصة"ضحايا"الفضائيات.
وأما مايتعلق بعمل المرأة ومشاركتها للرجل، وتأثير ذلك في الحضارة والتنمية، فالواقع قد أثبت عدم جدوى توظيفها في كثير من تلك الوظائف.
ولا أريد أن أجعل كلامي هنا على نمط الكلام المكرور الذي يردده الوعاظ - جزاهم الله خيرًا - ولا يلقى إلا آذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا، وسخرية من المتحذلقين الذين يظنون أنهم أوسع أفقًا وأكثر تحضرًا من أولئك"الوعاظ""المتزمتين""المتأخرين""المعقدين"... الخ ما يصفونهم به من أوصاف، الله أعلم من أحق بها وأولى.
وسأجادلهم بالعقل والمنطق الذي يزعمونه ويتشدقون به، فأقول:
هب أن"الميزانية"الموقرة لا تسمح بأكثر من خمسة ملايين وظيفة حكومية في مختلف القطاعات معدل رواتبها خمسة ألاف ريال مثلًا. فلو خصصنا خُمس هذه الوظائف للفتيات، فهذا يقتضي تعطيل مليون شاب عن العمل، ويترتب عليه مفاسد كبيرة ظاهرة، منها البطالة ومن ورائها الفقر والمسكنة وهي لا تنشأ من عدم تشغيل الفتيات، لأنهن لسن مسئولات عن نفقة أنفسهن فضلًا عن نفقة أسرهن، بخلاف الشباب الذين هم ملزمون شرعًا وعرفًا وعقلًا بذلك، ففي تشغيلهم في تلك الوظائف إعالة لهم ولأسرهم، ثم إنهم حتمًا سيتزوجون، ومقتضاه أن مليون فتاة ستتزوج ويكون لها من يعولها وينفق عليها. إذًا بتشغيل مليون شاب بدلًا من مليون فتاة كسبنا إعالة مليوني إنسان، عدا من قد يعولهم الشاب مع زوجته من أب أو أم أو غيرهما. ثم بعد خمس سنوات (بحسب الخطة الخمسية) !! سيكون لدينا أسرة مكونة من زوجين وثلاثة أطفال، وهذا يعني إعالة خمسة أشخاص على الأقل بعد خمس سنوات، وتكون المليون وظيفة السابقة قد أعالت خمسة ملايين إنسان. في حين لو عكسنا الأمر فإن المليون عاملة لن تؤسس بتلك الوظائف مليون أسرة ثم سنواجه مشكلة وجود مليون شاب عاطل عن العمل، وربما اتجه بعضهم إلى طرق الفساد فصار وبالًا على الأمة، وربما اضطرت الحكومة إلى زيادة الإنفاق على أجهزة الأمن لمكافحة الجرائم المترتبة على ذلك الفساد، كما نرى ونسمع كل يوم، وهذا يستنزف المال والجهد والوقت ويؤخر عجلة التنمية، ويشيع الفساد والفقر والاضطراب في البلاد والعباد.
ثم نقول: هب أن المليون فتاة اللاتي حرمن من الوظائف تحتاج مائة ألف فتاة منهن إليها للنفقة الخاصة، لعدم وجود عائل لهن من أب أو أخ أو قريب، وأن"الميزانية"لا تسمح بتخصيص هللة واحدة لإعاشة هؤلاء المائة ألف مسكينة، ولا تسأل عن أسباب عجز الميزانية حتى لا نقلب المواجع ونقض على النائمين المضاجع، لنفرض جدلًا أن هذا هو حال الميزانية، فهل نترك هؤلاء المسكينات فريسة للضياع والفقر والمرض وربما انساق بعضهن للرذيلة بسبب الفقر والحاجة؟