الصفحة 3 من 15

وهؤلاء لا أعنيهم هاهنا، بل أنصحهم بالرجوع إلى ما كتبه الإمام الصنعاني بعنوان:"استيفاء الأقوال؛ في تحريم الإسبال على الرجال" [1] .

وإنما جمعت هذه الرسالة المتواضعة، وهذه الآثار المرصعة، للغرباء في هذا الزمان، الآحاد في الدول والبلدان، الذين يحملون هذا الدين ويدعون الناس إليه، ويحيون ويموتون عليه، خاصة بعدما رأيت منهم بعض التقصير، في الزيِّ الشرعي وما يتعلق به، ولباس السلف والافتخار به؛ فبعضهم قد آثر البنطال على الثياب، وحسر عن رأسه بلا ارتياب، [2] وبعضهم ستر رأسه بغير القلنسوة أو العمامة أو الخمار، ودار مع لباس الغرب حيث دار، وكل هذه الأمور قد خصها المحدثون في كتبهم بكتاب خاص، أسموه"كتاب اللباس".

(1) لقد بتنا اليوم نرى ظاهرة الإسبال، قد انتشرت واشتهرت بين الرجال، بل ولم يسلم منها -وللأسف- حتى بعض الدعاة والمشايخ، ممن تصدر للتدريس والتأسيس!

ولا بد على الداعية الواعية أن يكون متمسكًا بالهدي النبوي ظاهرًا وباطنًا، ولقد أورد الشيزري: بأن رجلًا حضر عند السلطان محمد بن سبكتكين - المتوفى 421ه-ـ1030م، سلطان أفغانستان والعراق وفارس- وطلب منه الحسبة على مدينة غزنة -عاصمة أفغانستان في تلك الفترة-، فنظر السلطان فرأى شاربه قد غطى فاه من طوله، وأذياله تسحب على الأرض، فقال له السلطان:"يا شيخ! إذهب فاحتسب على نفسك، ثم عد واطلب الحسبة على الناس!" [نهاية الرتبة في طلب الحسبة ص 6] .

وكذلك فإنه لم يسلم من ظاهرة الإسبال -اليوم- كثير من أئمة المساجد، كما نرى ونشاهد، ولقد جاءت في التغليظ من ذلك والتشديد، والتحذير والوعيد، بعض الأحاديث والآثار -على خلاف في تصحيحها لدى علمائنا الأخيار-، منها:

ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أسبلَ إزارهُ في صلاته خيلاء، فليس من الله جلَّ ذكره في حلٍّ ولا حرام) رواه أبو داود وغيره، وحسنه موقوفًا الحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 256) وقال:"مثل هذا لا يُقال بالرأي".اهـ

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: (بينما رجلٌ يُصلي مُسبلًا إزارَه، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب فتوضأ، فذهب فتوضأ، ثمَّ جاء، ثمَّ قال: اذهب فتوضأ، فذهب فتوضأ، ثمَّ جاء، فقال له رجلٌ: يا رسول الله مالَكَ أمرته أن يتوضأ، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه كان يُصلي وهو مسبلٌ إزاره، وإنَّ الله تعالى لا يقبل صلاةَ رجلٍ مسبلٍ إزارَه) رواه أبو داود، وصحح إسناده النووي في المجموع، وفي رياض الصالحين، وصححه شيخ مشايخنا أحمد شاكر في تعليقه على المحلَّى (4/ 102) .

وعن مجاهد رحمه الله:"كان يُقال: مَنْ مسَّ إزاره كعبه، لم يقبل الله له صلاة".اهـ

قال الإمام ابن حزم رحمه الله:"فهذا مجاهد يحكي ذلك عمن قبله، وليسوا إلا الصحابة رضي الله عنهم، لأنه ليس من صغار التابعين، بل من أوساطهم".اهـ [انظر: المحلى 4/ 73 - 75] .

وعن ذر بن عبد الله المرهبي -وهو من كبار التابعين-:"كان يُقال: مَنْ جرَّ ثيابه لم تُقبل له صلاة".اهـ

قال الإمام ابن حزم رحمه الله:"ولا نعلم لمن ذكرنا مخالفًا من الصحابة رضي الله عنهم".اهـ [انظر: المحلى 4/ 73 - 75] .

(2) لم يثبت -فيما أعلم- أنه صلى الله عليه وسلم حسر عن رأسه -في غير الإحرام-، مع توفر الدواعي لنقله لو فعله، ومن زعم خلاف ذلك فعليه الدليل. [انظر: الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة ص110] .

بل قد روي حديث ضعيف في ذلك؛ وهو حديث ابن عباس:"أن النبي صلى الله عليه وسلم ربما نزع قلنسوته فجعلها سترة بين يديه"تفرد به ابن عساكر، وفي سنده: العرزمي. قال عنه الحافظ ابن حجر في"التقريب":"محمد بن عبيد الله بن أبي سليمان العرزمي ..: متروك".اهـ

ثم إنه لو صح هذا الحديث فإنه من باب تقديم أولى المصلحتين عند تزاحمهما، لأن السترة أولى من تغطية رأس الرجل.

هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم في عامة أوقاته، اللهم إلا أن يكون في المطر؛ فقد أخرج مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه قال:"أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر قال: فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا؟ قال: (لأنه حديث عهد بربه تعالى) ."

وكذلك كان هدي السلف رضي الله عنهم؛ لم يكونوا يحسرون عن رؤوسهم في غير الإحرام إلا أن يكون ذلك للمطر ونحوه؛ فقد روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عبد الله بن نجي قال:"كان علي رضي الله عنه إذا مطرت السماء خرج، فإذا أصاب صلعته الماء مسح رأسه ووجهه وجسده، وقال: (بركة نزلت من السماء، لم تمسها يد ولا سقاء) ".اهـ

وروى أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعثمان رضي الله عنه، وغيرهم .. [انظر: فتح الباري لابن رجب الحنبلي 6/ 315] .

قال الشيخ الألباني:"وليس من الهيئة الحسنة في عرف السلف اعتياد حسر الرأس والسير كذلك في الطرقات، والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية، تسربت إلى كثير من البلاد الإسلامية حينما دخلها الكفار، وجلبوا إليها عاداتهم الفاسدة، فقلدهم المسلمون فيها، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيتهم الإسلامية".اهـ [تمام المنة ص165] .

وقال أيضًا في رده على الغماري:"وأخذ يجادل بالباطل، كقوله: (إن المسألة تختلف باختلاف العادات والتقاليد، فمن البلاد من يكون من عادة أهلها تعرية الرأس حين مقابلة العظماء) !"

فأقول: نعم، ولكن عادة من هذه يا ... آلمسلمين أم النصارى الذين نقلوا هذه العادة إلى بعض البلاد الإسلامية فتأثر بها من تأثر من المسلمين".اهـ [السلسلة الضعيفة 6/ 50] ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت