الصفحة 7 من 49

إذا سلكنا سبيل الإستقامة على الدين في أنفسنا ومجتمعنا وكل أحوالنا، فلا بد أن ندرك الحقيقة الثانية، وهي أن كل دعوة إلى الحق على منهج الأنبياء لابد لأصحابها من إبتلاء.

فكثير من الناس لضعف إيمانهم أو لضعف فهمه لحقيقة الدين، حينما يرى ما يلحق المسلمين من عذاب وإبتلاء وفتن وتكالب الأعداء عليهم من يهود ونصارى ومجوس ومرتدين، وتنكّر البعيد والقريب لدعوتهم، حتى أقرب الناس إليهم ممّن كانوا بالأمس من الدعاة والملتزمين.

حين رؤيته؛ لذلك يظنّ أن دعوتهم باطلة، وأن هذا بلاء وعذاب من اللّه والحق خلاف ذلك، قال تعالى: {آلم أحسب النّاس أن يتركوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ اللّه الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين} .

وعن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من يرد اللّه به خيرا يصب منه) [رواه البخاري ومالك] .

وسأل رجل الشافعي رحمه اللّه فقال؛ (يا أبا عبد اللّه! أيهما أفضل للرّجل أن يمكّن أو يبتلى؟) ، فقال الشافعي: (لا يمكّن حتى يبتلى) .

فإن اللّه ابتلي نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمّد صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكّنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الآلم البتّة، فلا بد أن نعلم أنه لا نصر ولا تمكين بدون ابتلاء، فأنبياء اللّه عليهم صلواته وسلامه مع تقواهم وورعهم وقربهم من اللّه، عذّبوا وفتنوا وأوذوا، بل منهم من قتل - كزكريا ويحي عليهما السلام - ومنهم من أخرج من داره وأهله ومنهم من ضرب، وهكذا الأمثل فالأمثل.

وكان أتباعهم يعذّبون أشدّ العذاب، فعن خبّاب بن الأرث رضي اللّه عنه قال: شكونا إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو متوسّد ببردة له في ظل الكعبة، فقلنا: (ألا تستنصر لنا ألا تدعوا لنا؟) ، فقال: (قد كان من قبلكم يؤخذ بالرّجل، فيُحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشّط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه، واللّه ليتمّنّ اللّه هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلاّ اللّه والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون) [رواه البخاري] .

وبالجملة؛ فلابد أن يدرك كل مسلم أن طريق الحق محفوف بالمكاره، مفروش بالأشواك، محطاته ونقاط العبور فيه؛ هي السجون ومراكز التعذيب، ملذاته؛ هي تجرع الصبر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت