الصفحة 42 من 45

وهذا امير المؤمنين علي بن أبي طالب ، يقول عنه الشعبي: (( لما قتل طلحة ورآه علي مقتولا ، جعل يمسح التراب عن وجهه ، ويقول: عزيز علي أبا محمد أن أراك مجدلا تحت نجوم السماء . . ثم قال: إلى الله أشكو عجزي وبجري . - أي همومي وأحزاني -وبكى عليه هو واصحابه ، وقال: ياليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة ) ) [14] .

وكان يقول ليالي صفين: (( لله در مقام عبد الله بن عمر وسعد بن مالك - وهما ممن اعتزل الفتنة - إن كان برا إن أجره لعظيم ، وإن كان إثما إن خطره ليسير ) ) [15] .

فهذا قول أمير المؤمنين ، رغم قول أهل السنة أن عليا ومن معه أقرب إلى الحق [16] .

وهذا الزبير بن العوام رضي الله عنه - وهو ممن شارك في القتال بجانب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها - يقول: (( إن هذه لهي الفتنة التي كنا نحدث عنها ) )، فقال مولاه: أتسميها فتنة وتقاتل فيها ؟! قال: (( ويحك ، إنا نبصر ولا نبصر ، ماكان أمر قط إلا علمت موضع قدمي فيه ، غير هذا الأمر ، فإني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر ) ) [17] .

وهذا معاوية رضي الله عنه ، لما جاءه نعي علي بن أبي طالب ، جلس وهو يقول: (( إنا لله وإنا إليه راجعون ، وجعل يبكي . فقالت امرأته: أنت بالأمس تقاتله ، واليوم تبكيه ؟! . فقال: ويحك ، إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه وعلمه وفضله وسوابقه وخيره ) ). وفي رواية (( ويحك ، أنك لا تدرين ما فقد الناس من الفضل والفقه والعلم ) ) [18] .

وبعد هذه المنقولات كلها ، كيف يلامون بأمور كانت متشابهة عليهم ، فاجتهدوا ، فاصاب بعضهم وأخطأ الأخرون ، وجميعهم بين أجر وأجرين ، ثم بعد ذلك ندموا على ما حصل وجرى .

وما حصل بينهم من جنس المصائب التي يكفر الله عز وجل بها ذنوبهم ، ويرفع بها درجاتهم ومنازلهم ، قال صلى الله عليه وسلم: (( لا يزال البلاء بالعبد ، حتى يسير في الأرض وليس عليه خطيئة ) ) [19] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت