الصفحة 4 من 8

علمنا في الباب السابق أن الجماعة فرض واجب في كل عمل يراد القيام به، وإتمامه على الوجه الأكمل من أمور الدين وأمور الدنيا، وأنه لا يستقيم للمسلمين صلاة ولا زكاة ولا حج ولا صوم، ولا جهاد إلا بجماعة، ونظام وإمام مطاع، وأنه لا يجوز أن تكون في بلاد المسلمين قرية ولا بلدة، ولا ناحية، بل ولا حرفة ولا صناعة إلا ولها أمير مطاع ومرجع يرجع إليه في النزاع، وهذا الذي سار عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه وخلفاؤه من بعده.

والآن نأتي إلى الواجبات التي أناطها الله بالإمام العام، فما هذه الواجبات؟

والجواب؛ أن الله سبحانه وتعالى أناط بالإمام العام مسئوليات كثيرة جدًا، وواجبات عظيمة، تشمل رعاية مصالح الدين والدنيا.

فمن واجبات الإمام العام - الخليفة - إقامة شرع الله في الأرض، والحكم بما أنزل الله، ومن ذلك إقامة الصلاة، وأخذ الزكاة وتوزيعها والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجهاد أعداء الله بالسيف واللسان، والحجة والبيان، وتهيئة المناخ الصالح لتنشئة أبناء المسلمين وتعليمهم وتربيتهم، والأخذ على يد السفيه، والحكم بين الناس بالعدل، ورد الباغي والظالم، وأخذ الحق للمظلوم والمهضوم، ورعاية مصالح الناس ومعايشهم، وقسم أرزاقهم بينهم بالعدل والسوية.

ولا شك أن هذه أمانة عظيمة وتكليف هائل شاق، كما قال صلى الله عليه وسلم واصفًا الإمارة: (إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) [أخرجه مسلم من حديث أبي ذر] .

وللأسف أن كثيرًا من الناس يظن الإمامة والإمارة مغنمًا، حيث العلو على رؤوس الناس والتحكم في أموالهم ودمائهم وأعراضهم، والحال غير ذلك في ميزان الله سبحانه وتعالى، فالإمامة العامة في ميزان الله تكليف وخدمة للناس حيث الإمام أثقل الناس تبعة، وأعظمهم حملًا، وأشقهم مسئولية.

ومن أجل ذلك كان الصالحون من هذه الأمة يشفقون منها ويفرون منها ... فهذا الصديق أبو بكر يقول: (والله ما سألتها في ليل أو نهار) [أخرجه البخاري] ، أي ما سألت الله أن يؤمرني في دعائي قط ليلًا أو نهارًا.

وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يأخذ الخلافة كارهًا، ويقبلها مسئولية وتبعية ويتركها زاهدًا ويقول لمن أشار عليه أن يولي ابنه عبد الله: (بحسب آل الخطاب رجل واحد فإن كانت خيرًا فقد أصابوا منه، وإن كانت غير ذلك فحسبهم أن يتحملها رجل واحد منهم) .

والخلاصة:

أن مسئوليات الإمام في الإسلام مسئوليات عظيمة كبيرة، قال تعالى: {الذين إن مكانهم في الأرض أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، ولله عاقبة الأمور} [الحج:41] .

وهذه المسئوليات العظيمة تخالف مفهوم الناس اليوم عن الإمارة والحكم والملك، فعامة الناس يرون الإمامة اليوم مغنمًا وترؤسًا وشرفًا، من أجل أن يتربع مكانه، ويحوز سلطانه، ولا يرى أحدهم أنه مسئول أمام الله عن شيء مما ذكرناه.

بل أساس الحكم في كثير من بلاد المسلمين اليوم أساس غير إسلامي وغير ديني يقوم على مصالح الدنيا فقط دون اعتبار لمصالح الدين.

فالحاكم الصالح اليوم من أهل الدنيا؛ يرى أنه مسئول عن دنيا الناس فقط من تنظيم معايشهم وتقسيم أرزاقهم، وتيسير سبل حياتهم والحفاظ على صحتهم، وتعليمهم، والترفيه عنهم بالحرام والمباح ... هذا إذا كان صالحًا في نظر نفسه ونظر الناس.

وإلا فالكثير منهم مفسد للدين والدنيا، فلا الدين عنده له شأن يذكر، فلا هو مسئول عن إقامة الصلاة أو الأمر بالمعروف أو النهي عن المنكر أو الذب عن عقائد الإسلام، ولا هو مراع لمصالح الدنيا من البحث في تيسير سبل العيش وتنمية موارد الدولة، والعناية بحياة الناس وهناك من هم أشد فسادًا من ذلك من أهل العقائد الزائفة، والبغضاء للإسلام وأهله ممن تسلموا أمور المسلمين في غفلة من المسلمين فزرعوا البلاد بالشر والفساد، وكل ما يصد عن سبيل الله، وقعدوا لأهل الإيمان بالمرصاد ... فإذا يمم الشاب وجهه شطر المسجد أخافوه وآذوه واعتقلوه في السجون والمعتقلات، بغير ذنب إلا أن يقول ربي الله، وإذا تحجبت الفتاة كان مصيرها التشهير والتعيير، بل تعدى ذلك إلى الحرمان من أدنى حقوق الآدمية كالتعليم والسير في الطرقات!!

بل إن هؤلاء قد سلطوا سفلة الناس وأشرارهم ورفعوهم إلى أعلى المناصب فعاثوا في الأرض فسادًا حيث دمروا اقتصادها، وهدموا أخلاق أبنائها، وبناتها وأهانوا كل كريم نافع في مجتمعه، ورفعوا كل لئيم مرتش لص.

وهكذا نصب هؤلاء الحكام أنفسهم حربًا لله ورسوله والمؤمنين، يصدون عن سبيل الله من آمن به ويبغونها عوجًا، بل أقاموا في بلاد الإسلام شعبًا للمخابرات تحمل اسم"شعبة مكافحة النشاط الديني"!!

فانظر كيف تستخدم أموال المسلمين ومقدراتهم وثرواتهم للصد عن سبيل الله ومحاربة الله في بلاد الله.

وهذا انقلبت الموازين، فتحول الحاكم والإمام والخليفة من أن يكون عبدًا لله يقيم الصلاة ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويحرس الدين، ويحمي حياض المسلمين إلى أن أصبح عدوا لله يحارب الله ورسوله والمسلمين بمال الله، وأموال المسلمين.

فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت