الصفحة 6 من 8

هناك أمر لا يفطن له كثير من طلاب العلم بل وكثير من العلماء، وهو أن الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان، فتنزيل الأحكام ينبغي أن يكون بحسب الأحوال، فما تكون فرضًا في وقت قد لا يكون فرضًا في وقت آخر ومكان آخر.

فالهجرة - مثلًا - فرض في مكان وزمان لا يستطيع فيه المسلم إقامة حدود الله، أما في مكان آخر فلا هجرة كما قال صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية) [أخرجه البخاري من حديث مجاشع بن مسعود] ، فالهجرة كانت واجبة من مكة قبل فتح مكة حيث كان المسلمون يستضعفون ويمنعون من إظهار شعائر الدين، ولم يعذر الله منها إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، كما قال تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرًا، إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا} [النساء:97] .

ولا شك أن أهل مكة من المسلمين كانوا قبل الفتح مستضعفين بدليل قوله تعالى: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، واجعل لنا من لدنك وليًا واجعل لنا من لدنك نصيرًا} [النساء:75] ، والقرية الظالم أهلها هنا هي مكة بإجماع المفسرين. فكانت الهجرة واجبة منها قبل الفتح إلى المدينة أو غيرها، ثم بعد الفتح سقط الوجوب، وأصبح الانتقال منها مباحًا أو مكروهًا.

فانظر كيف تغير الحكم بتغير الزمان، لما حدث من المناسبة، ولا شك أن وجوب الهجرة باق ولكنه في مكان دون مكان، وزمان دون زمان.

وهكذا الحال في أحكام كثيرة؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واستئذان الإمام وعدم استئذانه والسفر إلى أرض العدو ونحو ذلك ...

وكثير من العلماء وطلاب العلم وللأسف يفتون بفتاوى يظنونها لكل جيل وقبيل، وزمان ومكان ولا يراعون خصوصية واستثناءً، كالجواب على السؤال الذي هو موضوع هذه الرسالة.

فبعض طلاب العلم هؤلاء يعيشون في دولة تطبق من الشريعة - ما شاء الله - كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة، وتعليم العلم الشرعي، ونشر الفضيلة والعناية بالموتى وإقامة المساجد ونحو ذلك مما هو مفروض على الحاكم ... فيفتون إذا سئلوا أيجوز للمسلمين أن يجتمعوا ويؤلفوا بينهم"جمعية"أو جماعة تقوم بواجب من هذه الواجبات؟ فتكون فتواهم؛ أنه لا يجوز تأسيس وإقامة هذه الجمعيات والجماعات إلا بإذن الإمام، وينسى هؤلاء ويغفلون أن هناك من الحكام والأئمة من يحرم إقامة هذه الفرائض، ويصد الناس عنها، فضلًا على أنه لا يهتم بها ولا يعبأ بشأنها.

فهل يسكت المسلمون الذين يبتلون بأمثال هؤلاء الظلمة الفسقة من الحكام ... هل يسكتون عن إقامة هذه الفرائض؟

هل يترك المسلمون أرض الإسلام تستباح من أعداء الله لأن الإمام قد فتح بابه لهؤلاء الأعداء، كما فعل حاكم أفغانستان ظاهر شاه الذي فتح أبواب بلاده للشيوعيين الملاحدة ... وأرادوا بل قلبوا قلب أفغانستان البلد المسلم إلى بلد شيوعي كافر يطبق فيها حكم الكفر والإلحاد.

هل يسكت المسلمون ويستكينوا أو يهبوا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، والدفع عن أعراضهم وأموالهم وذراريهم ... أم هل ينتظر المسلمون الإمام العام، أو المهدي المنتظر أو المسيح المخلص ... لا شك أنهم يجب عليهم القيام بما يستطيعون من دفع الشر عن أنفسهم، والدفاع عن دينهم وأعراضهم وأموالهم، {ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز} [الحج:40] ، وقد فعل سبحانه وتعالى، فانظر كيف نصر الله من هب لنصرة دينه وإعلاء شريعته والدفاع عن نفسه وعرضه.

وانظر كيف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لمن سأله قائلًا يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: (امنعه) . قال: فإن أبى؟ قال: (قاتله) . قال: فإن قتلته؟ قال: (هو في النار) . قال: فإن قتلني؟ قال: (أنت في الجنة) [متفق عليه] .

فانظر كيف أوصاه الرسول صلى الله عليه وسلم بما يجب عليه من الدفاع عن حاله غير منتظر إذن إمام، وسماح سلطان.

ولا شك أنه إن لم يندفع الكفار المغيرون إلا بَجَمْعٍ وجماعة وأمير فإن الجماعة هنا تكون واجبة لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب كما أسلفنا.

وكذلك الحال في كل فروض الكفايات التي يهملها الحكام؛ لا يجوز السكوت عليها وتضييعها، بل يجب التجمع لها وأداؤها، بل إن الحاكم المسلم الحريص على الخير لا يجوز انتظار إذنه إذا كان الواجب مضيعًا مضيقًا، كدفن الميت وإقامة الجمعة والجماعة، وتشييد مسجد وأمر بالمعروف ونهي عن منكر، ودفع عدو هاجم المسلمين من ناحية ما ...

فأهل هذه الناحية يجب عليهم أن يهبوا لدفع العدو عنهم حتى يمدهم الإمام ويتولى الأمر دونهم، ولا يجوز للمسلمين التولي عن الزحف وترك أرض الإسلام لأعداء الإسلام.

والعجب بعد ذلك لبعض طلاب العلم الذين يفتون خاطئين ومخطئين؛ أنه لا يجوز تجمع أبدًا لإقامة واجب من هذه الواجبات، التي أسلفنا القول فيها، وهذا من قصر نظرهم، وضعف بصيرتهم وجهلهم بأحوال المسلمين حولهم، وانغلاقهم في الزوايا التي يعيشون فيها ولا يدرون عما يعايشه الناس حولهم، وعدم ممارستهم لدعوة حقيقية ترجع المسلمين إلى دينهم، وتأخذ بأيديهم إلى أسباب العز والنصر والتمكين.

ولا شك أن أعظم ما دخل من الخطأ على طلاب العلم هؤلاء أنهم لم يراعوا قاعدة تغيير الأحكام بتغيير الزمان والمكان، وأفتوا للناس فتوى عامة ظنوها صالحة لكل زمان ومكان. والحال إنها إن صلحت لأمكنتهم التي يعيشون فيها فإنها لا تصلح لغير بلادهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت