علمنا في الباب السابق أن على الإمام المسلم واجبات عظيمة، وفروضًا كثيرة. ولا شك أنه يجب عليه قيامًا بالأمانة أن يقوم بما كلف به هو أو من ينيبه لذلك من وزرائه وقواده، ونوابه. ولا شك أن الإمام المسلم إذا قصر في شيء من ذلك كان آثمًا.
ومع ذلك فإن إثم التخلف عن هذه الواجبات ليس على الإمام وحده بل على الرعية كذلك لأن فروض الكفايات يأثم الجميع بتركه. فإذا غزيت أرض المسلمين ولم ينهض الإمام المسلم للدفاع عنها وجب على المسلمين أن يهبوا للدفاع عن أنفسهم وأعراضهم ودينهم.
وإن لم ينهض الإمام لذلك وإذا أهمل الإمام المسلم إقامة الصلاة، ولم يعين أئمة للناس، ولم يبن المساجد، ولا اتخذ المؤذنين والأئمة فإن أهل كل ناحية وبلدة ملزمون شرعًا بفعل هذه الواجبات التي أهملها الإمام، وكذلك الحال في كل فروض الكفايات، كتغسيل الميت ودفنه، وتعليم القرآن والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... فلو أهمل الإمام العام شيئًا من ذلك فإن الناس لا يعذرون بإهمال الإمام لها. بل عليهم التعاون فيما بينهم والقيام بهذه الفروض وإلا كانوا جميعًا آثمين.
والدليل على ذلك؛ أن خطاب الله بفعل هذه الأمور خطاب لجميع الأمة، ولم يشترط الله لصحة وقوع هذه الواجبات إذن الإمام، بل لو عطل الإمام بعض هذه الواجبات كان آثمًا، ولا يجوز للناس طاعته في ذلك، أرأيت لو أن إمامًا أو حاكمًا منع الناس من صلاة الجمعة وأقفل المساجد فهل يعذر الناس بترك الجمعة؟ لا شك أنهم لا يعذرون، بل هم آثمون إن أطاعوه في ذلك لأنه"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" [أخرجه الطيالسي وأحمد والطبراني والحاكم عن عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري وأخرج البخاري ومسلم نحوه بلفظ؛"لا طاعة لبشر في معصية الله إنما الطاعة في المعروف"] .
وكذلك الحال لو أن الإمام منع الناس من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن الناس لا يعذرون عند الله إن تعطل هذا الفرض والواجب. بل يجب عليهم مخالفة هذا الإمام الظالم الجائر الصاد عن سبيل الله، ويلزمهم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويجب عليهم عصيان الإمام في ذلك، لأن طاعته عندئذ معصية لله ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وكذلك لو انتهكت حرمات المسلمين، واعتدي على أعراضهم وأموالهم من أعدائهم، وسكت الإمام على ذلك فإنه بذلك يكون آثمًا جائرًا ظالمًا ولا يجوز للناس طاعته؛ بل يجب عليهم معصيته وحرب الكفار، والدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
وكذلك الحال فيما لو أهمل الإمام أو الحاكم تعليم القرآن، ونشر العلم الشرعي وتنشئة أبناء المسلمين على الخير والفضيلة، فإن الناس لا يعذرون عند الله بإهمال الإمام لذلك بل يجب عليهم القيام بهذه الفرائض وإن أدى ذلك إلى معصية هذه الإمام ... لأن معصيته عندئذ هي الطاعة الواجبة لله ورسوله.
وهكذا يظهر واضحًا جليًا أن الأمة جميعها مخاطبة بأحكام الشريعة، والقيام بفروض الأعيان وكذلك فروض الكفايات وأنه لا عذر لها إن قصر الإمام في هذه الفروض، بل لو ركنوا إلى السلطان الظالم المهمل لحدود الله، وسكتوا عليه لكانوا بذلك آثمين معذبين يوم القيامة، كما قال سبحانه وتعالى عن الأتباع الغافلين الطائعين لأئمتهم في معصية الله: {إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب} [البقرة:166] ، وقال تعالى: {وبرزوا لله جميعًا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص} [إبراهيم:21] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة التي تبين أنه لا يغني عن الأتباع والضعفاء أنهم كانوا في أسر الملأ من الزعماء والرؤساء، الذين ضيعوا حدود الله، وصدوا الناس عن سبيله، فهل بعد هذا يقول عاقل أو رجل فهم شيئًا من شريعة الله ودينه أن الناس معذورون بترك فرائض الدين إذا ضيعها الإمام؟!