إذًا عرفنا أن هذا الباب يُشترط فيه أن يكون ماضيه عينه أو لامه حرفًا من حروف الحلق وليس كل ما كان عينه أو لامه حرفًا من حروف الحلق لا بد أن يأتي به على زنة يَفْعَلُ، ولذلك نقول: بَدَأَ يَبْدَأُ على وزن فَعَلَ يَفْعَلُ لأنه سمع هكذا ما كان خارجًا عن الأصل فالأصل وقفه على السماع ولذلك نقول: شاذ. يعني يحفظ ولا يقاس عليه، وإنما القياس في باب فَعَلَ هو الباب الأول والثاني فَعَلَ يَفْعُلُ وفَعَلَ يَفْعِلُ بابان من الدعائم يعني: من أبواب القياس. فَعَلَ يَفْعَلُ بالفتح هذا سماعي ولا يقاس عليه وإلا لو كان قياسًا لقيل يجوز في دَخَلَ يَدْخَلُ وطَرَقَ يَطْرُقُ لكن نحن نقول: لا، نقل هكذا بَدَأَ يَبْدَأُ وذَهَبَ يَذْهَبُ وسَحَبَ يَسْحَبُ ولَعَبَ يَلْعَبُ قَدَحَ يَقْدَحُ وسَلَخَ الْجِلْدَ يَسْلَخُ كلها بالفتح لأنها سمعت هكذا فحينئذٍ تعلل الخروج هذا ومخالفة القياس بكون ماضيه عينه أو لامه حرفًا من حروف الحلق ومن غير عكس فَدَخَلَ يَدْخُلُ وطَرَقَ يَطْرُقُ وقَعَدَ يَقْعُدُ وأَخَذَ يَأْخُذُ وبَلَغَ الصَّبِيُّ يَبْلُغُ وطَلَعَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ وَنَحَبَ يَنْحِبُ وجَاءَ يَجِيءُ كلها تجد أن العين أو اللام حرفًا من حروف الحلق وجاءت من باب يَفْعُلُ ومن باب يَفْعِلُ لماذا؟ لأن ذاك شرط ولا يلزم من وجود الشرط وجود المشروط، هذا الباب الثالث.
أما أَبَى يَأْبَى فَعَلَ يَفْعَلُ نقول: فَعَلَ يَفْعَلُ بفتح العين فيهما في الماضي وفي المضارع هل عينه أو لامه حرفًا من حروف الحلق؟ أصله أَبَا أَبَيَ العين الباء واللام الياء وهل هذان حرفان من حروف الحلق؟ الجواب: لا، كيف نقول: أَبَى يَأْبَى؟
شذَّ أََبَى يَأْبَى عَنِ الرَّوِيه [1]
شذ شاذ هذا شاذ بمعنى أنه خارج شذوذ عن شذوذ، باب فَعَلَ يَفْعَلُ شاذ، وشذ في أَبَى يَأْبَى فهو شذوذ وراء شذوذ، كيف نقول: شاذ ويقول الله تعالى: {وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} [التوبة: 32] . ورد في فصيح الكلام، كيف نقول: شاذ وهذا كثير عند الصرفيين يحكمون بكون الكلمة شاذة ويوجد في فصيح الكلام وهو القرآن؟ نقول: الشاذ عندهم ثلاثة أقسام - هذا لا بد من ذكره - الشاذ عندهم ثلاثة أقسام:
قسم مخالف للقياس والاستعمال.
وقسم مخالف للقياس دون الاستعمال.
وقسم مخالف للاستعمال دون القياس.
عندنا قياس وعندنا استعمال، إما المخالفة تكون القياس دون الاستعمال أو الاستعمال دون القياس أو الاستعمال والقياس معًا.
قسم مخالف للقياس دون الاستعمال. خالف القياس يعني خالف قواعد الصرفيين ولكن استعمال العرب موجود مثل ماذا؟ مثل عَوِرَة قال: عَوِرَة تحركت الواو وانفتح ما قبلها والأصل أنها تقلب ألفًا لكنها لم تقلب ألفًا إذًا خالف القياس أو لا؟ خالف القياس، خالف الاستعمال؟ لا، الاستعمال على هذا فحينئذٍ نقول: هذا مثال لما خالف القياس ولم يخالف الاستعمال.
(1) الوافية بنظم الشافية الشطر الأول من البيت 132.